#adsense

في السلاح ومشروعه

حجم الخط

"إجماع" اللبنانيين على الشكوى من الانفلات الأمني لا يلغي خلافهم على أسبابه ولا على كيفية معالجته.. وفي مصطلح "الإجماع" ذاك، فرادة غير متوافرة في شأن قضايا كبيرة وحقيقية ومصيرية، كما في شأن قضايا صغيرة وافتراضية، عارضة، طارئة وعابرة، لكنه (المصطلح) وارد في هذه النقطة "الأمنية" بحكم الضرورة، والتوظيف السياسي.

ومن بداية البيان ومطلع القصيدة يُقال، إنّ "الإجماع" على الشكوى يفترض أن يؤدي إلى نتيجة منطقية هي "الإجماع" على العلاج. وهذا وفق الأنشودة الدارجة هو "اتخاذ القوى الأمنية الشرعية ما يلزم من إجراءات حاسمة".. الخ. لكن ذلك لا يحصل، وأكثر من ذلك، غير وارد لسبب خلافي كبير اسمه الأول وعنوانه الوحيد: السلاح غير الشرعي، أي الذي يملكه ويوزعه "حزب الله".. ثم ينضم إلى جوقة الشاكين من إنفلاشه!

وفي المُعطى العام كما في التفاصيل، فإنّ الانفلات الإجرامي يبدو مولوداً شرعياً حتمياً لتزاوج معطيين؛ الأول هو سلاح "حزب الله"، والثاني هو مشروعه. والثاني أخطر، لأنّه لا يكتفي بالآلة الحربية ولا بإشاعة وعسكرة المناخ السياسي والإعلامي والاجتماعي في بيئة مدنية شديدة الاختلاط والتعقيد، إنّما يتوسّل كل ذلك، وفوقه كل أداة ممكنة لنسف فكرة الدولة الواحدة والجامعة كشرط لا بد منه، من أجل تكوين بيئة ملائمة لطرح أهدافه الكبرى، أي السيطرة على القرار الرسمي التنفيذي والتشريعي والأمني والعسكري والقضائي تماماً. وفي حالة الفشل أو في "المرحلة الانتقالية"، تثبيت الدويلة الخاصة به. ودائماً تحت عنوان "المقاومة"!

ما يحصل من متفرقات أمنية غير مسبوقة هو في المحصلة، ترجمة طبيعية عشوائية لقرار واعٍ ومدروس بدقة! إذ انّ وجود الدولة القادرة، والمؤسسات المتمكنة والفاعلة، لا يسمح (في الكبيرة) بتنفيذ انقلاب شبه مسلح على حكومة شرعية وانتخابات أكثر شرعية! وما كان ليسمح أصلاً بنزول ميليشيات مسلحة في 7 أيار 2008 إلى الشارع لفض خلاف سياسي، ثم التلويح لاحقاً ومراراً تكراراً بتجديد ذلك "اليوم المجيد"!.. ووجود الدولة القادرة بمؤسساتها المركزية الأمنية والعسكرية، ما كان ليسمح (في الصغيرة) بانفلات عصاباتي مافيوزي إجرامي متنقّل كالذي يحصل في حالات الخطف مقابل الفدية مثلاً وليس حصراً. وقد يكون "حزب الله" متضرراً من حالات لصوصية وإجرامية وغير إنسانية، لكنه في الإجمال غير متضرّر من المناخ اللاغي للسلطة الشرعية، بل عامل من أجل تعزيز ذلك المناخ الذي يمطر وسيمطر حُكماً، ظواهر في الخطف والسرقة والإجرام والتزوير والاعتداء على الأملاك العامة.. وهتك سطوة القانون في الإجمال!!

الدولة الملتبسة تعني مؤسسات ملتبسة وأمناً ملتبساً.. والازدواجية تركب في البيوت العائلية، وبرامج التلفزيون، وفي ألف ألف حالة أخرى ربما، لكنها مستحيلة في "الشرعية" وأكثر استحالة في العسكرة والأمن.. وأغرب ما يمكن أن يركب على أي قوس، هي خبرية "شكوى" الحكومة الحالية من الفلتان الأمني! وهي التي في الأساس جاءت نتيجة ذلك الفلتان! ووُلدت من رحم سلطوي رديف للسلطة الشرعية، وبقوّته الشارعية السلاحية والأمنية! حكومة هي بنت ذلك الالتباس وتلك الازدواجية لا يمكن لها أن تشكو من حالها، وتظهر نفسها بمظهر الضحية!

قبل "حزب الله" بسنوات، ألغت الحرب كيان الدولة وعطّلت أجهزتها الضاربة. وحاول أهل الأمر الواقع، تعبئة الفراغ، كلٌ في حيّزه وجغرافيته. وأوّل أمر تنفيذي في تلك التعبئة، كان العمل لتأكيد غياب الظواهر الشرعية بكل مقوماتها، بدءاً بمخفر الدرك وصولاً إلى المرفأ البحري.. لكن ما نشهده في هذه المرحلة مختلف وغير مسبوق وأسوأ بأشواط، إذ ان الازدواجية تجهّل "الفاعل" والمسبّب الرئيسي لكل هذا الهريان، فيما الأمر واضح وضوح الشمس ولا يحتمل التأويل: مشروع مسلّح أنهك الدولة ودمّر وحدانيتها، ويكاد أن يكمل على ناسها وما تبقّى منها!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل