#adsense

عندما خطف عمي خالتي… (بقلم فيرا بو منصف)

حجم الخط

أذكر عندما اختطف عمي خالتي. نصب لها كمينا مفترضا في ساحة البيدر بالضيعة، بالاتفاق مع ابي وعدد من الاصدقاء وذهبوا الى بيروت، وعادا بعد يومين واحتفلا بعرسهما. الخطيفة تمّت بعدما كان جدي يعارض هذا الزواج بشدة، لا نعرف لماذا، خالتي خيّاطة محترفة وعمي الفلاح المكفي، لكن جدي لم يكن يريد.

وامعانا في الغضب، لم يحضر جدّي وستي العرس حتى، واستمرت القطيعة بين الطرفين لنحو شهرين، قبل أن يردّ أهل العروس "الإجر" لاهل العريس وتتم الصلحة وتعلو الزغاريد، وصارت خالتي امرأة عمي بذات الوقت…

هي خطيفة، والعبارة ليست بجديدة على أدبياتنا، لكنها مستجدة وعادت لتنفض عنها غبار الايام، ولتعيش ربما أحلى أيامها واكثرها ازدهارا! هي سياحة الخطف. حسن أن لدينا ما هو مزدهر على الاقل وسط كل هذا الافول الجماعي. الخطف. في الحرب كانوا يخطفون على الهوية، الآن يخطفون بحسب الرصيد المصرفي. أحسن الفضائل هذه الايام أن تكون فقيرا. صارت نعمة، أو على الاقل الا يبدو علينا أي مظهر من مظاهر الرفاهية أو الاسترخاء المادي.

وتعرفون، كلنا، كلنا في لبنان نعاني تخمة الموارد! نحن في أعلى قائمة الدول الغنية الفاحشة الثراء المبذّرة "البطرانة"، نظرا للمعاشات العالية التي يتقضاها خصوصا موظفو القطاع العام، ونظرا للتأمينات الصحية ولضمان الشيخوخة والطفولة، وحتى الاجنّة في لبنان تخضع لنظام تأمين متطور جدا ابتدعته الدولة ويسبق سويسرا في هذا المجال، اضافة الى ان لبنان يتمتع بأعلى أعلى نسبة أمن وسلام بين دول المنطقة، وهو حتى يقارع المانيا وقد يسبقها في هذه الناحية!! أمن مستتب لدرجة دفعت بالسواح العرب والاجانب الى تجنّب الحضور الى ربوعنا، قال "ما في اكشن" ونعاني من الرتابة والبلادة! لكن ورغم كل هذا الازدهار، لم يتمكن لبنان من ردع هذه الظاهرة "الغريبة"على مجتمعه وبيئته غير الحاضنة، "الخطف"…غريب…كل هذا الامن والاستقرار والتطور ووقف لبنان عاجزا مكتوف الايدي أمام عمليات الخطف كما حصل مع جدي تماما!!

وبناء عليه ونظرا لدقة الوضع، استدعى مجلس الدفاع الاعلى حاله الى اجتماع "طارىء" جدا!! ولمن لا يعلم، اجتماع كهذا لا يحصل الا في الحالات الطارئة القصوى في بلدان تنعم بما ننعم به، وخرج وزير الدفاع الآتي مباشرة من ساحات قتال هناك وهنالك، ليزفّ لنا ان الاجتماع كان جيدا وضروريا وتم عرض للاوضاع وكل شيء سيسير على ما يرام وتم الاتفاق على ضرورة أن تاخذ القوى الامنية كل الصلاحيات اللازمة للقيام بمهامها!!

وعشنا بثبات ونبات وخلّفنا ما قُدّر لنا من الصبيان والبنات!!!! ما يعني ان البحث الان ما زال في مرحلة "ضرورة استلام القوى الامنية لصلاحياتها"، ما يعني أن أمامنا مراحل ومراحل بعد نقطعها، قبل أن تصل الصلاحيات العزيزة الى أيادي من يجب… اللهم ما لم تُختطف هذه الصلاحيات على طريق ما…اللهم… وفي هذا الوقت، وتجنبا لتضييع الوقت، تستمر عمليات الخطف وبنجاح كبير منقطع النظير، وتتواصل أعراس الخاطفين المبتهجين بنجاح مهامهم من دون اعاقة تُذكر…

وبناء عليه أشكر الربّ على نعمتين، نعمة العزوبية وعدم اختطافي من حرية أبدية سرمدية لا أملك ثروة غيرها ولا أعزّ منها، ونعمة اللاغنى كي لا أدّعي الفقر، "الفقير فقير العقل" يقولون بالضيعة، لكن من قد يقرر خطفي أو خطف أمثالي، ستنتابه نوبات عصبية حرجة من الغضب والحنق والسخط، اذ سيضيّع وقته الثمين جدا، ولن يجد في رصيدي لا أموالا، ولا ذهبا، ولن يجد بالتالي في العيلة كلها من يطلب منه فدية، واذا وجد فلن يلبي أحد طلبه اذ قد يجدون في عملية الخطف تلك راحة لهم من عنائي، كما لن يجد الخاطف حتى في سيارتي ما يغويه، سيارة مكحكحة عمرها عشر سنوات على الاقل وتئنّ من فرط الاهمال… تصوروا أي نعمة أعيشها وأمثالي تضاف الى نِعَم الامن والسلام والطوباوية التي ننعم بها، في ظل حكومة الطوباويين والملائكة والمبشّرين والرسل، وان كان يضنيني أحيانا اني لم أجد مغوارا مثل عمي يختطفني الى قلبه…

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل