“المأزق الكبير الذي يواجه الرئيس بشار الأسد ليس عسكرياً فحسب بل انه أيضاً سياسي ذو أبعاد داخلية وإقليمية ودولية. فقد فشل الأسد في إقناع الدول المؤثرة بما فيها روسيا بأن المعارضين والثوار مجموعات من المتآمرين والإرهابيين الذي يجب سحقهم والقضاء عليهم من أجل إنهاء الأزمة، إذ ان ثمة إعترافاً إقليمياً – دولياً واسعاً بوجود ثورة شعبية حقيقية في سوريا ترفع مطالب مشروعة يجب تحقيقها. وفشل الأسد في إقناع سائر الدول المؤثرة بدعم مشروعه السياسي للحل إذ انها ترفض التفاوض معه على أساس مشروعه الذي يهدف الى تكريس بقاء نظامه وتطالب بحل سياسي للأزمة يتناقض جذرياً مع مطالب الرئيس السوري وطموحاته. وفشل الأسد في إقناع الدول المؤثرة بأن خياره العسكري – الأمني ضروري لإنهاء الأزمة إذ ان هذه الدول بما فيها روسيا ترى ان هذا الخيار يقود الى طريق مسدود ويهدد مصير سوريا، لذلك تدعوه الى التخلي عنه تمهيداً لتطبيق حل سياسي جدي يحقق المطالب المشروعة للشعب السوري بكل مكوناته”. هذا ما قاله لنا مسؤول دولي معني بالأزمة السورية. وأضاف: “يرى الأسد ان الخطر الأكبر الذي يهدد نظامه ووجوده في السلطة هو تطبيق مشروع الحل السياسي الذي اتفقت على مضمونه وعناصره الأساسية أميركا وروسيا وسائر الدول المعنية بالأزمة في ما عدا إيران. فالثورة الشعبية والمسلحة أنهكت نظام الأسد وأضعفته كثيراً وقلصت سلطته على البلد وعزلته على أوسع نطاق، لكن تطبيق الحل السياسي المقبول داخلياً وإقليمياً ودولياً والذي حدد إتفاق جنيف مبادئه وركائزه الأساسية ينهي حكمه وينقل سوريا الى مرحلة تاريخية جديدة مختلفة جذرياً عن المرحلة الحالية. فهذا الحل يتعامل مع نظام الأسد على أساس انه يحكم سوريا مؤقتاً وينتزع منه صلاحية مواصلة إدارة شؤون البلد ويكرس المعارضة شريكاً أساسياً في عملية إنهاء الأزمة ويعترف ضمناً بشرعية الثورة الشعبية إذ يطلب إشراك ممثلين للمعارضة والثورة في المفاوضات الهادفة الى تغيير النظام القائم جذرياً ونقل السلطة الى نظام جديد ديموقراطي تعددي يحقق المطالب المشروعة للسوريين من طريق إنتخابات تعددية حقيقية شفافة وحرة”.
وفي رأي مصادر ديبلوماسية أوروبية في باريس وثيقة الإطلاع على الملف السوري أن خمسة عوامل أساسية تمنع الأسد من المشاركة في عملية نقل السلطة الى نظام جديد ديموقراطي تعددي هي الآتية:
أولاً – الأسد هو الذي اتخذ منذ البداية قرار إعلان الحرب على شعبه المحتج ورفض أن يتحاور مع معارضيه وأن يتفهم مطالبهم المشروعة مما أدى الى بروز العمل المسلح ضد النظام بعد سبعة أشهر من التظاهرات السلمية، فرد الرئيس السوري بتصعيد العمليات الحربية ضد المدنيين والمحتجين وإلحاق كوارث هائلة بالبلد. ولن تقبل المعارضة والدول الداعمة لها بإعفاء الأسد من مسؤولية ما حدث.
ثانياً – لا يزال الأسد يتمسك بقرار الحسم العسكري وبضرورة إستسلام الثوار والمعارضين له ورضوخ سائر الدول لمطالبه. وعلى هذا الأساس فإن بقاء الأسد في الحكم يمنع الحل السياسي الجدي وانتقال السلطة الى نظام جديد وإنقاذ سوريا من محنتها البالغة الخطورة.
ثالثاً – إتفاق جنيف يمنح المعارضة حق الموافقة أو الإعتراض على أعضاء الحكومة المفترض أن تدير شؤون البلد في المرحلة الإنتقالية وأن تتمتع بصلاحيات تنفيذية كاملة. فالحكومة الإنتقالية يجب أن تضم أعضاء من الحكومة السورية الحالية وممثلين للمعارضة والثورة على أساس “قبول متبادل” مما يعني ضمناً ان من حق المعارضة رفض مشاركة الأسد في العملية الإنتقالية.
رابعاً – مشروع الحل السياسي الذي يتمسك به الأسد يتناقض كلياً مع إتفاق جنيف إذ انه يرفض نقل السلطة الى نظام جديد ويرفض تشكيل حكومة إنتقالية مع المعارضة، كما يرفض إشراف أي جهة دولية على عملية التغيير في سوريا ويطلب أن يقبل الجميع ببقاء النظام القائم.
خامساً – إن إيران وحدها ترفض نقل السلطة في سوريا الى نظام جديد إذ ان أكثر من 130 دولة تطالب برحيل النظام لأنه فقد شرعيته وتدعو الغالبية العظمى من الدول العربية رسمياً الأسد الى التنحي عن الحكم في مقابل حصوله على ملاذ آمن وتتمسك روسيا بتطبيق إتفاق جنيف وتتفاوض مع أميركا من أجل الإتفاق على صيغة حل لعقدة مصير الأسد.
ولخص ديبلوماسي أوروبي الموقف قائلاً: “لن يستطيع الأسد أن يتفاوض مع الدول البارزة والمؤثرة من أجل تنفيذ الحل السياسي المطروح والمقبول داخلياً وخارجياً لأن هذا يعني انه يتفاوض على إنهاء حكمه وتغيير نظامه. ولن يستطيع الأسد أيضاً الإفلات طويلاً من تطبيق هذا الحل الذي ينهي نظامه. وهذا هو مأزقه الكبير”.