يوماً بعد يوم تزداد الحوادث الأمنية، وسط غياب كلي لأجهزة الدولة عن القيام بمهامها وحسم الأمور لصالح إعادة هيبة المؤسسات التي باتت على المحك، بعد عمليات الخطف المنظم في هذه المنطقة أو تلك والتحدي الحاصل للأجهزة الأمنية والقضائية بشكل علني من قبل “حزب الله” وعصاباته المحمية في الضاحية الجنوبية أو في بعلبك العصيّ على الدولة بفعل التغطية السياسية التي يلقاها من حزب السلاح.
الأمن المفقود في لبنان كان سبباً في تهجير السياح العرب والأجانب، وعمليات الخطف المتواصلة مقابل دفع “فدية” مستمرة تحت أعين أجهزة الأمن، واللبنانيون من رجال الأعمال والمهاجرين باتوا يخافون العودة إلى وطنهم الأم سواء لقضاء إجازاتهم أو للاستقرار أو الأغنياء ممن اختاروا العيش في بلد الحرية باتوا يفكرون في الهجرة حفاظاً على حياة أولادهم، وثمة من لا يستطيع السفر فيعمد إلى خطط احتيالية عبر العودة إلى منزله باكراً خوفاً من ضربه سكين تقتله في الشارع على يد “محشش”، أو “مجرم”، وكثير من النساء أخذن احتياطاً عبر التخلي عن حمل “الحقائب” خوفاً من “الشرحطة” في الشارع وراء راكب “موتوسيكل” عابر نحو أمان “الضاحية الجنوبية” لبيروت.
عصابات تنتشر في بعض القرى ومأواها عند أصحاب سطوة شبيحة السلاح… والدولة غائبة عن معالجة الأوضاع.
بالأمس انعقد المجلس الأعلى للدفاع في اجتماع استثنائي وظلت القرارات سرية كالعادة واليوم ينعقد مجلس الأمن المركزي في اجتماع استثنائي لوضع خطة قد تكون متأخرة إلا انها أفضل من أن لا تأتي أبداً، لكن ذلك لا يبشر بالخير كثيراً، فالتجارب الماضية أكبر دليل إذ لا بد من رفع الغطاء السياسي عن المرتكبين، منفذي عمليات الاغتيال ومحاولاتها الفاشلة إلى الخاطفين والسارقين والمسلحين الذين يظهرون هنا وهناك، تارة تحت غطاء سياسي وتارة تحت غطاء عائلي وعشائري، ولكن كما يقول المثل “عالوعد يا كمون”، فأي خطوة للتقدم على الأرض لا تنجز ولا تكتمل بسبب التغطية السياسية التي يلقاها المرتكبون من أصحاب السلاح وبسبب حجب “داتا” الاتصالات عن الأجهزة الأمنية لفترة مما سمح باتساع الفلتان، مع تنوع الأحداث الأمنية من توتر على الحدود اللبنانية السورية إلى الخطف المنظم الى تحدي مجموعات مسلحة للنظام العام، وفي ظل غياب أي خطط أمنية رسمية استباقية لضبط الوضع الداخلي، وعدم اتخاذ قرارات حاسمة بضبط الحدود ومنع مظاهر تفكك الدولة.
عراجي: التفلت سيزداد
يشير عضو كتلة “المستقبل” النائب عاصم عراجي إلى أن “ما تشهده منطقة البقاع حالياً لم تشهده خلال الحرب الأهلية فعمليات الخطف التي تحصل أدخلت الرعب إلى قلوب الأهالي، وكثيرون منهم باتوا يفكرون بكيفية ايصال أبنائهم إلى المدارس من دون أن يكونوا عرضة للخطف، هناك قلق نتيجة عمليات الخطف التي حصلت هذا العام والذي سبقه والتي طالب الخاطفون من خلالها بفدية مالية، لكن أكثر ما يؤذي مشاعر الناس العاديين هو معرفتهم أين يذهب هؤلاء الخاطفون ومن وراءهم”؟
ويلفت إلى “الافراج عن نزيه نصار بالأمس”، معتبراً ان “ما يحصل خطير جداً والسبب يعود إلى أن الحكومة لا تتعاطى مع المواضيع الأمنية بشكل جدي وما كنا نحذّر منه وقع فالسلاح إذا لم يكن حصرياً بيد الدولة اللبنانية سيؤدي في النهاية إلى تفلت أمني وهذا ما يحصل حالياً”.
ويقول: “أكدنا أكثر من مرة على ضرورة وضع سلاح “حزب الله” في خدمة قيام الدولة وأجهزتها الأمنية من جيش وقوى أمن، من أجل ايجاد حل للسلاح غير الشرعي، لكنهم أصروا على ابقاء السلاح بيدهم، لحماية محمياتهم الأمنية، لا سيما في البقاع شمال بعلبك تحديداً وهي مناطق نفوذ لحزب الله وكل منفذي عمليات الخطف يؤوون إليها”.
ويطالب عراجي “الدولة بحسم أمرها وإلا فإن التفلت سيزداد يوماً بعد يوم وسنصل لفترة خطيرة وصعبة”، مشدداً على أن تذرع “الحزب” بأمور غريبة عجيبة للتمسك بسلاحه أدت بنا اليوم إلى ما نحن عليه من حالة الفلتان وغياب الدولة”.
وعن إمكانية أن يؤدي رفع الغطاء السياسي عن المرتكبين لضبط الأمور يقول عراجي: “المطلوب رفع الغطاء السياسي والجيش اللبناني فيها سيكون قادراً على التحرك والقبض على الفاعلين، لكن السلطة السياسية لا تعطي الجيش قراراً بالتصرف وتتعامل مع هذه الأمور بخفة وعدم جدية”.
ويفيد أن “هناك شريحة كبيرة من الناس تسأل عن الدولة ودورها ولماذا تغيب عن الوعي”، مضيفاً: “من المفترض أن تقوم السلطة السياسية بطلب رفع الغطاء عن المجرمين حتى تستطيع القوى الأمنية السيطرة على الأمور، فهذا العام لم يأت مغتربين إلى لبنان وغيابهم أثر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة، فمغتربو البقاع خائفون بعد أن تم خطف عدد منهم في السابق وتم دفع “فديات لاطلاقهم وهذا العام سوء الأوضاع الاقتصادية سيتصاعد”.
ولا يستبعد عراجي “تطور الأمور نحو حصول عمليات اغتيال في ظل الانفلات الحاصل وعدم ضبط السلاح المنتشر”.
ويشير إلى تخوف الناس من استهدافهم من أصحاب “حزب السلاح” ان هم تحركوا من أجل المطالبة بضبط الوضع الأمني، ومن أجل ذلك نحن كنواب نعبّر عن رأيهم ونطرح الحلول ونطالب الدولة، وهناك من يظهر على وسائل الإعلام ليعلن أن الأمور “ممسوكة” ولكن هذا الأمر تكذبه الوقائع اليومية حيث تحصل عمليات الخطف في وضح النهار، فالحكومة غائبة نهائياً وعاجزة عن معالجة كل الأمور هناك تفلت أمني واقتصادي واجتماعي هائل وكل الناس خائفة على أولادها والاحباط واليأس يربو في كل منزل وتلك مصيبة”.
ويلفت إلى أن “بعض الأهالي اتخذ احتياطات لحماية أبنائهم ومنعهم من المشاركة في رحلات في بعض مناطق التزلج على سبيل المثال نتيجة القلق الذي يعيشونه”.
سعد: الحل بالعودة إلى الدولة
ويعلق النائب انطوان سعد على نأي الحكومة عن الحفاظ على أمن المواطنين بالقول: “طالما السلاح موجود بيد بعض اللبنانيين، لا سيما “حزب الله”، فإن الأمن في لبنان سيبقى مفقوداً والاستقرار غير موجود، والحل بالعودة إلى الدولة لتحقيق الأمن وإلا لن نصل إلى أي نتيجة إذا لم يحصل هذا الأمر، إذا تم حصر السلاح في يد الدولة فإن عمليات الخطف ستتوقف، وكل عمليات الخطف التي شهدناها محمية من جهات معروفة، والعصابات مؤمنة لها المربعات الأمنية، عمليات الخطف تحصل ولا أحد باستطاعته الوصول إلى الخاطفين، وغالباً ما يرضخ أهل المخطوف للخاطفين في دفع “الفدية” مجبرين، لأن لا أحد يحميهم، فهناك دولة “حزب الله” ودويلة لبنان.
وحتى نصل إلى أمن واستقرار في لبنان لا بد من أن يكون السلاح حصرياً بيد الدولة الشرعية لا بيد الميليشيات، فـ”حزب الله” تحول من مقاومة إلى ميليشيا كونه يتدخل بكل الأمور التي تحصل في الداخل بقوة سلاحه، ولو انه سلم سلاحه للدولة بعد التحرير عام 2000 لما كنا وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، بل كنا وصلنا إلى حالة من الاستقرار”.
وعن مسؤولية القوى الأمنية، يجيب سعد “أنا ضد الأمن بالتراضي، و”حزب الله” يمتلك أسلحة وهو على الأرض أقوى من الدولة، ويجب أن تكون الدولة أقوى حتى لا يكون هناك أمن بالتراضي لأن ذلك يعني عدم وجود أمن فما يحصل في كل المناطق من الشمال إلى الجنوب إلى بيروت والبقاع إذا لم يضرب الجيش والقوى الأمنية جميع الفئات من أجل احقاق الأمن فإن المسايرة لن تعود بالخير على لبنان ومثلما رأينا في التجربة الطرابلسية على سبيل المثال، يدخل الجيش يتوقف القتال، يخرج الجيش يعود القتال، هذا النوع من الأمن لا يمكن أن يوصل إلى الاستقرار”.
ويشير إلى تخوف أهالي البقاع من عمليات الخطف والانفلات بعد تنفيذ عدة عمليات طالت رجال أعمال مثلما حصل في بلدة بعلول منذ فترة وجيزة، حيث خطف شخص وتمكن فرع المعلومات في قوى الأمن من توقيف الخاطفين وتحرير المخطوف، وعلى اثر ذلك، عدد كبير من المغتربين في المنطقة تركوا لبنان وسافروا لا سيما منهم الأغنياء، رغم أن معظمهم يمتلك منازل وكانوا يأتون لتمضية اجازاتهم وتستفيد المنطقة من الحركة الاقتصادية التي تحصل أثناء تواجدهم، لكن اليوم عدد كبير من المتمولين لا يفكر في المجيء إلى لبنان، وطالما أن القوى الأمنية لا تضرب بيد من حديد، فلا أمل، البلد فالت والسلاح كثر في يد الناس، في ظل تمسك “حزب الله” بسلاحه وأنا أخشى من انفجار كبير، ويحذّر من “فوضى السلاح في غياب الدولة”، مشيراً إلى وجود “المربعات الأمنية والمحميات القائمة والعصية على قوى الأمن الرسمية، فلا يمكن لوم “الدرك” أو رجال قوى الأمن أو عناصر الجيش على عدم تحركهم، فهؤلاء لا يستطيعون الدخول من دون غطاء سياسي، وإذا اتخذوا قرارات أخرى فإن التوترات ستزيد وقد تؤدي إلى حرب جديدة وهذا ما تحاول القوى الأمنية الرسمية تجنبه حالياً”