غير مرّة، خلال السنوات الـ 8 الأخيرة، قارَبَ لبنان حربه الداخليّة – الخارجيّة المستعادة، ثمّ تداركها بفعل فاعل، أو بسحر ساحر.
أو بسبب حسابات دوليّة – إقليميّة جعلته في موقع الإستقبال، لا في موقع الإرسال.
أو بسبب حسابات محلّية فرَضَت توظيف سطوة السلاح ووهجه فقط، لتغيير موازينه ومعادلاته.
أمّا اليوم، فقد انتهت لعبة الفاعلين والسَحَرة، وتبدّلت الحسابات في ميادينها الثلاثة، ولم يعُدْ يكفي وهج السلاح.
لقد بات العقل الإنقلابي في حاجة إلى عضلات السلاح وقوّته الناريّة وترساناته المدجّجة، وليس فقط إلى استخدام تأثيره المعنوي والتلويح به.
والآن، يتحفّز هذا السلاح لخوض حربيْن متكاملتيْن في الداخل اللبناني والداخل السوري، بعدما أدار ظهره كلّياً لإسرائيل، في إطار تقاطع المصالح بين الدولتيْن الإيرانيّة والعبْريّة تحت العيون الساهرة في واشنطن وموسكو.
لم يتردّد ” حزب الله ” في تقديم مبرّرات حربيْه، من صيدا إلى طرابلس، ومن الهرمل إلى أرياف القصير وحمص وضاحية السيّدة زينب. فقد وضَعَ شعار الحربيْن ( وهما في الواقع حربٌ واحدة ): ” لا تُخطئوا الحساب معنا “، و” سنحمي الشيعة في سوريّا”. إذاً، الشعار جاهز، التهديد مباشر، السلاح متأهّب.
كما لم يُغفِل توفير المناخ السياسي للحرب، بتأزيم البحث عن قانون إنتخاب ، ودَفَع الوضع برمّته إلى مأزق الفراغ. وفي يقينه أنّ “في الفراغ يسكن الشيطان”، ولا بدّ منه لإيقاظ كلّ شياطين الفتنة، وليس هناك أنسب من رقص الشياطين لتأجيج الإلتهابات الحربيّة .
ولو لم تكن لديه رغبة في الفراغ وصولاً إلى الحرب، لَمَا اعتمد مشروعيْن نقيضيْن للإنتخاب: منتهى الطائفيّة في ” الأرثوذكسي “، ومنتهى الدمج الوطني في لبنان دائرة واحدة .
وقد فضَحَ نصرالله بنفسه هذا التناقض، وألبسه لحليفه عون ( كما دائماً )، فضاعت حقوق المسيحيّين برمشة عين، بين ليلة ” المناصفة ” ب 64 نائباً غير ناقصين واحداً، وضُحى الدائرة الواحدة بتغييب وتذويب أصوات المسيحيّين !
لو كان الهدف إنصاف المسيحيّين، لَسَعى الحليفان إلى بدائل منطقيّة ووسطى، وليس إلى خيار الحدّ الأقصى الذي يُطيح المطلب المسيحي بصحّة التمثيل وعدالته.
وهذا القفز من الأقصى إلى الأقصى يعني شيئاً واحداً: القفز في المجهول. بل الغرق في الحرب التي يسعى إليها ” حزب الله ” بعيون مفتوحة، ويمشي الحليف وراءه بعيون مغمضة ، أو بميل عتيق إلى العنف وهوس الحروب ( الخاسرة دائماً ).
ولا نكشف سرّاً إذا أشرنا إلى الرابط بين مواقع الحرب المرسومة ، من صيدا إلى عرسال والهرمل وطرابلس وعكّار امتداداً إلى خطّ دمشق – حمص – اللاذقيّة ، فهو رابط الوصل بين الدويلتيْن العلويّة والشيعيّة، وهو ما يُمكن تسميته بالجناح الغربي للمشروع الإيراني، ستكشف التطوّرات مدى الضلوع الإسرائيلي فيه أو الإكتفاء بمراقبته.
ولا يغيب الإمتداد المسيحي من الشمال إلى جبل لبنان عن خريطة هذا المشروع في حلقته الثانية، أذا قُدِّر له أن ينجح، ما يفسّر سرّ ” التفاهم المقدّس ” قبل 7 سنوات ، والتي لم تستطع كلّ الخلافات والصراعات والمصالح تفكيكه.
ولم تكن محاولات الإلغاء والإغتيال إلاّ بهدف فتح المناطق المسيحيّة أمام المشروع ، وليس فقط فتحها إنتخابيّاً. وقد تُظهر الأيّام أنّ الدخول في ” الأرثوذكسي ” كان ممرّاً إلزاميّاً لاحتواء الخطر، منعاً لتحويل هذه المناطق أحاديّة الإتّجاه والزعامة، فيسهل إدخالها بين كمّاشتيْ ” حزب الله ” والدويلة العلويّة تحت الحضانة الإيرانيّة – الإسرائيليّة.
ولا شكّ في أنّ عاصفة ” الأرثوذكسي ” كانت ضروريّة لسقوطه، ولتقوية مناعة المسيحيّين ضدّ دويلات الأقلّيات، والإفلات من بين فكّيْ الكماشة المذهبيّة .
وفي تقديري أنّ ربيعاً جديداً يُطلّ على ” 14 آذار ” بعد العاصفة ، بما يعزّز أولويّات ” ثورة الأرز “، ويجعلها أكثر مناعةً في مواجهة ما يخطّط أعداؤها.
حربهم الجديدة محكومة بفشل غاياتها السياسيّة والجغرافيّة .
أمّا مآىسيها الإنسانيّة فماثلة في سوريّا ، ثمّ لبنان .