فمن شروط الغوغاء أن تشد الأنظار اليك، ولو اقتضى شد النظر أن تتعرى من ثيابك ومن ثوابت المنطق! المهم أن تُظْهِرَ عضلاتك، ولو كانت هذه العضلات منفوخة وليست مفتولة! نسي عون أن المقامرات السياسية لا تنتهي عند مغادرة طاولات التفاوض.
بعد سنة أو سنتين أو ثلاث، قد لا يناسب عون مشروع “لبنان الدائرة الواحدة”، ولكنّ “حزب الله” يناسبه هذا المشروع الى ما شاء الله، فماذا سيقول عون لحلفاء الأمس اذا ذَكَّروه بتباهيه بمشروع الدائرة الواحدة؟ المصيبة أنّ عون، من كل ألعاب الكازينو، يهوى “الروليت الروسية” ويضحك لأنه قد كبس على الزناد مرات عدة ولم تنطلق الرصاصة! والمصيبة الأدهى أن عون يلعب “الروليت الروسية” موجِهاً فوهة المسدس الى رأس غيره لا الى رأسه.
هكذا فعل في “حرب التحرير”، وفي التحاقه بركب “حزب الله”، وفي تموضعه مع نظام آل الأسد. غداً يطلّ علينا مكرّراً أن الحرب الكونية تريد توقيعه، ولأن هذه القوى الكونية تستطيع سحقه، قرر الذهاب الى ايران أو اللاذقية. حتى على موتهم وخسائرهم لا يخلو المسيحيون من حسد عون!
وإذا لم يذهب عون الى كازينو المقامرات السياسية، يُيَمِّمُ شطر “السيرك”. عروض “السيرك”، عادة، لها أيام وحفلات محدودة. مع عون نحن في “سيرك” دائم. احد ابرز أقلام الصحافة اللبنانية، دأب على تشبيه عون بلاعب دراجة بدولاب واحد. يجب أن يستمر في تحريك قدميه حتى لا يقع. آخر عروض عون عدم خوفه من “المثالثة”.
أصبح مصيرنا في خطر. هل يُعقَل أن يقف رجل أمام العدسات، يبارك “الأرثوذكسي”، ويؤيد “الدائرة الواحدة”، ويغازل “المثالثة” وكل ذلك في خمس دقائق؟ مشكلات عمرها خمسمئة سنة يمرّ عليها عون صوتياً، بدقائق خمس! في مراجعة ارشيفية لرصد موقف عون من النظام الأمثل للبنان، يمكنك بسهولة أن تقع على نصوص ومواقف وآراء متناقضة الى درجة لا يتصورها خيال: كان مع صيغة الـ43، قبل أن يمشي بالاتفاق الثلاثي.
كان ضد اتفاق الطائف قبل أن ينادي بالفدرالية. علمانيٌّ هو عون، بدليل وقوفه الى صف قانون “اللقاء الأرثوذكسي”! مدنيٌ هو ولكن لا يجد خطراً في “المثالثة”! دساتير وأنظمة وأفكار متضاربة، يمكن لعون أن يحاضر في محاسنها ساعات، وينسب لنفسه ابتداعها، ثم ينقلب عليها بعد شهر ويكيل لها اللعنات.
عندما سأله سائل عن انطفاء التمثيل المسيحي في مشروع “لبنان دائرة واحدة”، أجاب بالحرف، ونقلاً عن موقع التيار الالكتروني: “لماذا سيطغى الاسلام على المسيحيين إذا كان كلٌّ منهما سينتخب نوّابه”؟! علامة الاستفهام وعلامة التعجب ليستا من عندي، فقد وردتا أيضاً، ونصاً وروحاً، على موقع التيار الالكتروني. مشكلة كبيرة أن تسبق دائماً حركة القدمين منطق العقل السياسي.