يدفع لبنان وشعبه ثمناً غالياً، فقد تحوّل إلى منصّة إيرانية متقدمة اخترقت عبرها العالم العربي وزعرعت استقرار المنطقة، بكل أسف كان خطأ رفيق الحريري الكبير في انتزاعه شرعية «المقاومة» عام 1996، خطأ سيدفع لاحقاً ثمنه حياته عبر تفجير إرهابي لم يعد خافياً ارتباطه الوثيق بحزب الله والحرس الثوري الإيراني وبشار الأسد، كان الرجل العقبة الأخيرة في وجه وضع إيران يدها على لبنان مع خروج حسن نصر الله في 8 آذار الـ 2005 ليعلن دخول لبنان في حقبة الاحتلال الإيراني الناعم للبنان والمنطقة.ويظلّ كتاب رامي عليق «تحت المياه الخضراء» ونصوصه الفجّة أفضل من ألف تحليل ومقالة تكتب في المشروع الإيراني الكبير لبسط نفوذها على المنطقة، المحزن في هذا المشهد، أن ثلاثين عاماً من نسج السيطرة على المنطقة، منذ حادثة مكة واجتياح الحرم المكي عام 1979، والسعودية في سبات مخيف، هاجمتها إيران في عقر دارها، تأخر العرب كثيراً في فهم شبكة العنكبوت التي سقطت فيها المنطقة، والخروج منها سيكلفها دماراً كبيراً، ومع هذا ما زال العرب والسعودية ومصر في سبات أهل الكهف مع فارقٍ طفيف:»أنهم لن يستيقظوا أبداً»!!«لم ترَ عيناي غير آثار ما شهدته عينا عمّي أحمد.عينان كانتا الشاهد على أول لطخات الأسيد التي رُميت على وجوه شابات رفضن ارتداء الحجاب.عينان شهدتا تحوّل بيوت الله إلى بيوت حرب ـ أولى شحنات السلاح تصل من طهران لتحطّ في أيدي أطفال صغار ناؤوا بحملها (…) هاتان العينان رأتا أولى بشائر الاختطاف الديني للمقاومة عينها، ما وصل إلى حدّ قتل الرفاق المقاومين، أو اغتيالهم أو تحويلهم أشلاء بينما كانوا يديرون محركات سياراتهم.
(…) «ما الفائدة من ذلك؟بمَ سيُفيدك الإثبات الخطي؟هل سترفع دعوى ضد المركز؟هل تعتقد أن في الجنوب قاضياً واحداً يُبالي ليصدر حكماً لصالحك؟» تزيّن فكّ العم أحمد المفتوح بالكامل بضحكة.»رامي يا ابن أخي، قد تعمل حيلك القانونية المنمقّة هذه في بيروت، إنما في يُحمر.لعلّ الجنوب يليق بالغنم أكثر مما يليق بالرجال.إن لم تكن تنتمي إلى القطيع وجاهزاً للخضوع فلا مكان لك هنا.»[ص 204ـ206] «.
«يرث الحرب بأكمله»
(…) عليك أن تعذرني يا أخي.لقد غزت طهران مكاتبنا هذا الشهر، وإنه لمن المستحيل إنجاز أي عمل حين يتطفلون في كلّ الأوقات.أكاد أفقد عقلي.إنه لشيء يخنق للغاية!».[ص 139].
(…)»ولكن حقاً أيها الشيخ، ماذا يدعو طهران للقلق هذه الأيام؟فمنذ اللحظة الأولى التي اغتال فيها رجال الموساد (العباقرة) السيد عباس الموسوي.استبدلنا به أكثر الخراف طاعة لطهران ـ بحكم الواقع إيرانياً ـ من بين صفوفنا لقيادة القطيع، فعلام يقلقون؟»
«آه» يتنهد الشيخ، ويهزّ برأسه.»رامي، إنك تماماً على حقّ، ولكن مع ذلك، فإنّ طهران ترى في نصر الله فرصتها لإحكام قبضتها على الحزب».(…)»لا جدل في أن الإيرانيين سيركزون سلطتهم بشكل أعمق من خلال نصر الله، لا أحد يشكّ في ذلك.نحن لسنا عمياً.ولكن، لم يكن الأمل ليتم قطّ لنا ـ نحن المتصفين بالاعتدال ـ في أي وقت مضى، فلذلك إذا حصلوا على مباركتنا فليس لدينا أي شيء لنخسره في المقام الأول».
«هكذا إذاً؟ نصر الله يرث الحزب بأكمله، ولا يبقى أحد ليُناقش في القرارات الصادرة عن طهران؟» [ص 139ـ 140].