المافيا هي جماعة من العصابات القائمة على الجريمة والتي لا تحترم أيّ شكل من أشكال السلطة. وهي تدير أنشطة مربحة غير مشروعة، في مجالات القمار والتهريب والإبتزاز والمخدّرات والأسلحة، فضلاً عن القتل والخطف وتبييض الأموال. وكثيراً ما يتلطّى أركانها خلف ألقاب سياسيّة أو رسميّة أو رجال أعمال، ووراء واجهة إدارة فنادق ومصارف ومتاجر وشركات تأمين. لذلك لم يعد رجال المافيا مجموعة سريّة تعمل على هامش المجتمع، بل نقلهم نشاطهم الى مصاف المشاهير.
في لبنان نشأت حيثيّة جديدة هي دولة المافيا، إذ اخترق “المافياويّون” السلطة بدرجة غير مسبوقة، الى حدّ أنّ مصالح المؤسّسات الرسميّة قد تداخلت مع مصالح المؤسّسات المافياويّة، فصار من الصّعب الفصل بينها. وأدّى إجراء عمليّات غير مشروعة واستغلال المال العام والنّفوذ السياسي الى إثراءٍ فاحش وبسط سلطة المافيا على الحكومة والبرلمان والإدارات العامة، أي الهيمنة الكليّة على الدّولة وبشكل ممنهج.
المافيا عندنا تدّعي مبدأ النزاهة، لكنّها تتلفها، من خلال ارتباط المافياويّين بأعمال الإبتزاز والإختلاس والمحسوبيّات، ومن خلال حماية النشاطات غير المشروعة كغسيل الأموال والإتجار بالمخدّرات وترويج الأدوية الفاسدة، ومن خلال عقد الصّفقات وجني السّمسرات على حساب تنمية البلاد. ما يعني تحويل استثمار المال العام الى مشاريع تخترقها الرّشوة، بخاصةً بالّلجوء الى حِيَل زيادة التّعقيدات الفنيّة لهذه المشاريع. كلّ ذلك يؤدّي بالنتيجة الى الإمعان في تشويه استثمار مال النّاس، لكنّه يحسّن ظروف توظيفه ادّخاراً في بنوك سويسرا. والأدهى أنّ المرتشين من أهل الحكم، إذا تمّ ضبطهم، يجتهدون في توصيف الرّشوة بأنّها تبرّع قانونيّ.
امّا التهريب فيشكّل تهديداً مباشراً للإقتصاد الوطني، أو مخالفة جرميّة تتعلّق باجتياز غير شرعي للسلع والبضائع، للتهرّب من حقوق الخزينة العموميّة . لكنّ المافيا ” الرسميّة ” تنظّم هذه الحركة متجاوزة السلطات الضبطيّة، وكأنّ العبور لم يتمّ أصلاً، محقّقةً بذلك ما يسمّى بتحرير التّهريب أو أنّها تتمّم عمليّة العبور، في المرفأ والمطار، من دون إخفاء البضائع، بل عبر تزوير شهادات المنشأ والفواتير وحتى نوع المحتوى الذي يمرّ من دون أن يلاحَظ.
إنّ القصور في أداء الدولة، أو عدم وجود أيّ إثرٍ لها، أدّى الى الفشل في كبح المافيا وعناصرها، وبالتالي الى إجهاض مشاريع الإصلاح والتنمية. فكيف يكون إصلاح، فيما أركانه والدّاعون إليه هم أنفسهم عضد المافيا؟ الدولة الضعيفة ذات القدرة المشلولة على صدّ الأخطبوطيّة المافياويّة، هي المرتع الخصب لإتّساع ظاهرة الإرتكابات المافياويّة ولنموّ هيكليّاتها. من هنا، لا يجد المواطن سوى تقليص نوعيّ للجهود التي تعمل على مكافحة هذا الوباء الوطنيّ، ما يؤدّي الى تفاقم إستغلال السلطة المؤتَمنة من أجل اللاّمصلحة العموميّة. والعيّنات متوفّرة والفضائح أيضاً، وهي تشكّل مؤشّراً لقياس الفساد المؤسّسي.
فأيّ رفاه لشعب تتحكّم المافيات بإنتاجه واقتصاده وخياراته، وتستبيح لقمته وتعتدي على عرق جبينه وتحرمه من “السلسلة”؟ إنّ الخلاص، حتى السّاعة، ضعيف نسبيّاً لكنّه ليس مستحيلاً. ولن يتمّ إلاّ بقيامة الوعي العام الموصل الى “وطن نظيف” خالٍ من بطانة السّوء، فالحقّ لم ينفق بعد.
والى أنّ يزفّ اليوم الثالث، عسى ألاّ يستمرّ المافياويّون عندنا في ” فقش” حصرمة داخل عين “آل كابوني”.