انتهت محادثات وليد المعلم في موسكو بإبداء الاستعداد لمفاوضة المعارضين بمن فيهم المسلحون، ثم انتهت محادثاته في طهران بانقلاب اعلنه بشار الاسد عندما رفض الحوار مع من سمّاهم “الارهابيين” ودعاهم الى تسليم اسلحتهم، بما يعني انه يريد منهم بعد عامين من القتال وسقوط اكثر من 80 الف قتيل ان يستسلموا ويأتوه صاغرين!
حاول البعض ان يربط هذا الانقلاب بتقدم عسكري قيل ان النظام احرزه على الارض، لكنه في الواقع يرتبط بتحول سياسي يتصل بالتفاهم بين جون كيري وسيرغي لافروف. فمن الواضح ان واشنطن الغارقة في متاعب اقتصادية دفعتها الى التعجيل في سحب قواتها من الخارج، والتي بدأت تحويل تركيزها الاستراتيجي الى جنوب شرق آسيا لمواجهة “القرن الصيني”، قررت تلزيم موسكو إيجاد حل للازمة السورية لكن وفق دفتر شروط أهم ما فيه ان “لا تقع سوريا في ايدي المتطرفين من السنّة وان لا تبقى ورقة في ايدي الشيعة الايرانيين المتطرفين” وهذا ما يسرّ قلب اسرائيل طبعاً!
عندما يقول علي اكبر صالحي في المؤتمر الصحافي مع المعلم ان الاسد باق وانه سيشارك في الانتخابات الرئاسية المقبلة سنة 2014 تبدو مسألة “الانتقال السياسي” وكأنها لم تعد على الطاولة، اما عندما يؤكد الاسد لصحيفة “الصنداي تايمس” ان روسيا تواصل تزويده السلاح وان “حزب الله وايران وروسيا تدعم الشعب السوري في حربه على الارهاب، وان دور روسيا بناء جداً ودور ايران داعم جداً ودور حزب الله الدفاع عن لبنان وليس عن سوريا”، فذلك قد يعني ان روسيا لزّمت بدورها و”من الباطن” كما يقال، الازمة السورية الى ايران وفق دفتر شروط يناسبها ويسرّ قلب الاميركيين والاسرائيليين ايضاً، وقد تؤدي هذه الشروط بالمنطقة الى حرب مذهبية بين السنّة والشيعة لا تضعف الطرفين فحسب، بل تستنزف ثرواتهما وتدمر قوتهما عبر معادلة النفط مقابل السلاح!
واذا كان الاسد يقول ان سوريا هي خط تماس جغرافي وسياسي وايديولوجي فان أخطر ما عرفه هذا الخط عبر التاريخ، هو ان نظامه القمعي يواصل منذ عامين الرهان على حل عسكري، تقاطعت فيه المصالح الاميركية والروسية العميقة والبعيدة المدى وكذلك الاطماع التوسعية الاقليمية الايرانية لتجعل من سوريا “الولاية الايرانية رقم 35” او ساحة الحرب الكبرى العمياء والبغيضة بين السنّة والشيعة!
نوري المالكي في ميدان المعارك وقد شاهدنا حشوده المسلحة تدخل الى سوريا، ولواء “ابو الفضل العباس” الايراني وغيره في الميدان جنوب دمشق وفق وكالة “رويترز”، و”حزب الله” في الميدان باعتراف الاسد، فلماذا رغم كل هذا التورط تساق الاتهامات الى تركيا والسعودية وقطر لمجرد انها هبت لدعم شعب يذبح كما لم يذبح شعب في التاريخ؟