ومن الأمثلة ايضاً اقتناع النظام السوري بأن ما يتعرّض له داخل بلاده ليس ثورة شعبية، وإنما حرب كونية تشنها عليه غالبية المجتمع الدولي والدول العربية والدول غير العربية في المنطقة، طبعاً باستثناء الجمهورية الاسلامية الايرانية وروسيا والصين. والاقتناع المذكور في غير محله. فتركيا داعمة الثورة منذ انطلاقتها لم تنفذ ما وعدت به او ما أوحت انها تعد به، ولم تقدم الا مساعدات انسانية وتدريبية على اراضيها، وتسهيلات لمرور الاسلحة وربما المقاتلين. ولم يكن ذلك حرصاً على نظام الاسد، بل كان نتيجة ادراكها ان طموحاتها ووعودها أكبر من قدرتها. وكان ايضاً نتيجة موقف دولي (اوروبي – اميركي) بتقديم اللازم للثوار كي لا يهزمهم الاسد، وكي يستمر تقدمهم البطيء، وكي لا يهزموه في سرعة على الاقل. ومن الامثلة ثالثاً ان من يحارب النظام في سوريا ليس شعبها الذي لا يزال موالياً له بأكثريته، بل هم الارهابيون التكفيريون الذين يرسلهم عرب ومسلمون متطرفون بمباركة من اسرائيل والعالم. وهذا اتهام غير دقيق بل غير صحيح. ففي سوريا “ارهابيون” بتصنيف نظامها كما بتصنيف حلفائها الاقليميين والدوليين وتصنيف “اعدائها” الغربيين. لكن هؤلاء دخلوا سوريا وقبلهم ثوارها عندما امتنع “حلفاؤهم” عن تقديم ما يلزمهم من سلاح كما وعدوا سابقاً. وهؤلاء لا يتجاوز عددهم في احسن تقدير الـ8 أو 10 آلاف مقاتل. فهل يتصور عاقل ان هؤلاء قادرون على السيطرة على نحو 60 في المئة من ارض سوريا او 50، أو على الاقل في الاشتراك مع قوات النظام في السيطرة عليها؟ طبعاً لا. وذلك دليل اساسي على ان غالبية الثوار هم من الشعب السوري العادي. وربما على ان الثوار هم من يتعرضون لحرب كونية ايضاً.
في اختصار ليس القصد من هذا الكلام ابداء موقف ضد النظام أو مع الثوار في سوريا. بل هو دعوة الاول الى عدم الوقوع في وهم الاعتقاد بقدرته على دفع روسيا والصين من جهة واميركا من جهة اخرى الى الحرب من اجله. فهما الآن يتحاربان بواسطته ويرفضان ان يتحاربا مباشرة. وعندما يتفاهمان على مصالحهما سيكتشف، كما سيكتشف ربما الثوار، انهم ليسوا اكثر من اوراق. وهو ايضاً دعوة النظام وحلفائه الى تجنّب ما يسمى “الفكر الامنياتي” الذي يؤملهم في تفاهم دولي – اقليمي شامل لا يكون على حسابهم. فتفاهم كهذا لا يزال بعيداً سواء على سوريا او مع ايران. والقريب لا يزال الدمار والحرب في الداخل، وربما حرباً تُستدرّج اليها اسرائيل مع سوريا لتفجير الوضع في المنطقة، ولدفع الاميركيين الى الاقتناع بأن لا حل عندهم سوى التفاهم مع “الاقوياء” فيها.