لعلها من المفارقات المفعمة برمزية ثقيلة معبرة ان تتصاعد الازمة الدستورية الطالعة حول قانون الانتخاب عشية الذكرى الثامنة لـ14 آذار. فاصحاب الذكرى دهمتهم “فتنة” المشروع الارثوذكسي وهزت تحالفهم، وخصومهم في المقلب الـ8 آذاري يقفون الآن بدورهم امام انفخات دف الاكثرية وتفرق العشاق.
لا هي شماتة بطبيعة الحال، ولا الازمة الخطيرة تسمح بترف التشفي من وسط سياسي مأزوم بكل اشكال الاخفاقات. ولكن الذهول يأخذنا بعيدا حين نرى تفريخ “الفتاوى” والاجتهادات التي يراد لها ان تقيم واقعا مناهضا للدستور والقانون بحجة “دفن” قانون الستين.
هذا القانون يكاد يضحى اسطورة الاساطير فعلا. حين دفنه الزعماء الموارنة وعمدوا فوق روحه “المشروع الارثوذكسي” لم يشفع الميرون بالوليد الطري بل ارتد بقوة على تحالف 14 آذار وهزها في العمق.
وحين دهمت المهلة الدستورية الرئاستين الاولى والثالثة ووجهتا الدعوة الى الناخبين، تفجرت فتوى الرئاسة الثالثة القائلة بأن المهل دفنت بدورها مع القانون، مما يعني ان الاستحقاق الانتخابي صار معلقا بين لا قانون ولا مهل ولا قانون بديل. والانكى من ذلك ان صفوف الاكثرية تشلعت هي الاخرى، وأضحى الرئيس سليمان والرئيس ميقاتي في عين المواجهة مع 8 آذار.
لم يخطر حتى ببال البصارات والمنجمين في ايار 2008، ان هذا القانون الذي كان ضمن رزمة تفاهمات الدوحة سيصبح يوما اداة فتنة دستورية سياسية توزع شظاياها يمينا ويسارا على من انجبوه.
ولم يخطر ببال احد ان قانونا يرشق بهذا الكم الهائل من اللعنات ويدفن يوميا مئات المرات، يبقى نابضا تحت التراب وتندلع فوق بقايا بنوده الاجرائية معركة دستورية عريضة ويجتذب مواقف حازمة صارمة للولايات المتحدة التي بالكاد تلتفت اليوم الى زلازل الشرق الاوسط وحرائقه.
والحال ان هذا القانون بعدما استنفدت مدة صلاحيته وتبرأ من ابوته معظم اهله، استحال لعنة حقيقية لانه غدا وسيلة الانكشاف الكامل الذي عرى لبنان الواقع تحت سطوة الازمة السورية والذي ادى الى معادلة الاستحالتين: استحالة اجراء الانتخابات في ظل القانون الستيني، واستحالة التوافق الاجماعي على بديل منه. ولعل احدا لم يفطن الى ان هذا المدفون الحي بقي اقوى من الجميع، فاذا به يقتحم دارا آذارية من هنا ودارا آذارية من هناك، ويجعل الوسطيين فجأة اهل الدار الثالثة الذين “يتجرأ” قاطنوها على التقيد الدستوري والقانوني بالاجراءات التي ينص عليها “الراحل” الحي.
ولا غرابة في ذلك ما دمنا في طلائع المعركة التي ستتمدد حتما الى مقلب اشد خطورة حين تطاول لعنة الستين شرعية مراجع ورئاسات متى يصبح تأجيل الانتخابات ذروة لعنات قانون مدفون!