#adsense

إصلاحات محمود الثاني

حجم الخط

قال الوزير مروان شربل لأبناء بلاده: “الوضع الأمني صعب”. ثم زاد: “في كل المناطق”. يتحدث الرجل بلغة الناس. صرف السلطان محمود الثاني (الكتخذة في الصدارة) أي وزير الداخلية في ما بعد، لأنه وضع أسس التنظيمات (الإصلاحات) بلغة لا يفهمها الأتراك. وغيَّر حتى ألقاب الوزراء من أجل أن يُسقِط الحواجز بين الصدارة (رئاسة الوزراء)  والمواطنين، فأصبح رئيس الكتَّاب وزير الخارجية، والباش دفتردار وزير المالية. وانتزع الإدارة من العسكريين وسلَّمها إلى المدنيين. وأبقى العسكر في المناصب إذا كانوا أكفياء ومدنيين، مثل مروان شربل، الذي يتنقّل بين الشمال والجنوب، مطارداً شبح الفتنة، فإذا بهم أشباح كثيرة، وأمننا قليل، وخوف الأوادم لا يكفي لردّ البرابرة. “الوضع صعب” في كل المناطق التي عاد منها مروان شربل للتوّ، إلى منزله في الحازمية، حيث يمضي سحابة الليل لكنه لا ينام، على قول الشاعر المسهَّد “لم يطُل ليلي لكن لم أنم”.

مطروح على الطاولة، خريطتان. الأولى، تقسيم الدوائر واحتساب المردود وتوزيع المقاعد. الثانية، الخريطة على مكتب وزير الداخلية: اعتصامات الأسير في بلد معروف سعد، مناوشات التفجير في مدينة جيش لبنان العربي، حرب الحدود بين عرسال والقصير، في ممرات السلاح التي يتغير اتجاهها للمرة الأولى منذ 1958: هذه المرة، من لبنان إلى سوريا، وأيضاً على الجِمال والبغال، على ما جاء في بيت العتابا الحزين “جْمال محمَّلي وجراس بتعنّ”.

كنا نحلم بحدود مفتوحة بين لبنان وسوريا، كما كانت أيام السلطان محمود الثاني: لا جوازات ولا تأشيرات ولا خراب. لم تكن صورة الحدود، في أي وقت، بالويل التي هي عليه اليوم. لا الحدود، ولا خلفها ولا أمامها: في العام 1826 رأى محمود الثاني(1) أنه لكي تستمر الامبراطورية لا يمكن أن يبقى الحاكم سلطاناً، والشعب متأخراً، وتركيا لا تعرف لغة أوروبا المتربصة بها. كان أول ما ألغاه السلطان، حقه في حياة البشر وأحوالهم. محمود الثاني، لا كمال أتاتورك، هو أبو تركيا الحديثة. هو الذي سحق الولاة المستبدين وألغى مظاهر الإقطاع والأعيان والأشراف، وهو الذي عَبَر جسر الخوف من الانكشارية، المرتزقة، أو البلطجية، الشبيحة، الذين صاروا قوة مقرِّرة في بلاد أسيادهم…

ظلّ بعض رجال الضيعة حتى غيابهم، أواخر الستينات، يرتدون الشلوار (السروال)، وكان محمود الثاني قد ألغاه أوائل القرن الأسبق، ووضع شيئاً عجيباً سمّاه “قانون القيافة”، وحصَر سلطة رجال الدين بأمور الدين، فسمّوه “كارور بادشاه”، أي السلطان الكافر، لكنه مضى في إصلاحاته، غير ملتفت إلى اعتراضات تكايا العائلة والحاشية، إذ كان يدرك أنها الطريقة الوحيدة، ولو متأخرة، لإنقاذ امبراطورية تغطي 10 ملايين كيلومتر مربع وتضم عشرات الأعراق، فيما كانت الامبراطورية اليابانية من نصف مليون كيلومتر مربع.

الإصلاح استباق، أو رؤيا، إذا شئت. القائد لا ينتظر أن تفكر عنه الناس، لأن الناس تتكل بطبعها على أنه يفكر عنها. وعندما تكتشف أنه لم يكن يفكر في أمورها وفي مستقبل أطفالها وفي كرامة رغيفها، يخامرها شعور ساحق بالخداع. التاريخيون هم الذين تجنّبوا خداع الأهالي. لا ضرر في تكرار المثال الأوضح في التاريخ: قيادة ديغول، خيانة بيتان.

تستحق شعوب الأمة العربية ما هو أفضل بكثير من ذلك الشتاء الكالح، أو هذا الربيع الخائب، السائب والذي لا لون فيه إلا لون الحِداد. تجادل اثنان من حَمَلة نوبل: الألماني غونتر غراس والبيروفياني ماريو فارغاس يوسا. قال الأول، إن ألمانيا في حاجة دائمة إلى رجال مثل فيلي برانت وهلموت شميت، وإن أميركا اللاتينية في حاجة إلى فيديل كاسترو في كل بلدانها. ما هذا الهراء؟ قال يوسا. أنتم برانت، ونحن إما أوغوستو بينوشيه أو فيديل كاسترو، إما طاغية يميني وإما طاغية شيوعي؟ أين اشتراكية كاسترو من اشتراكية برانت أيها المدعي الحريات والديموقراطية والحياة المدنية.

دعوني أفتح مزدوجي الذهول عند هذا الشعب العجيب، الذي أقام على الدوام أهم دولة صناعية في العالم. هو، الشعب الألماني، سار خلف عريف سابق من النمسا، يدعى هتلر، في زمن الحرب. وهو حمل إلى المستشارية لقيطين، فيلي برانت، عمدة برلين، وهلموت شميت. يروي جيسكار ديستان في “السلطة والحياة”، أنه كان يرافق شميت إلى المطار بعد انتهاء زيارته الرسمية، عندما التفت إليه الضيف الألماني: سوف أطلعك على سرّ لم يعرف به أحد قبل اليوم، أنا لقيط، وأبي البيولوجي مصرفي يهودي. لم يعرف جيسكار كيف يعلّق. لماذا يختارني مستشار ألمانيا للإفصاح عن مأساته. ثم بعد الزعيم اللقيط تجعل ألمانيا يوشكا فيشر، سائق التاكسي في برلين، زعيماً لحزب “الخضر” ووزيراً للخارجية. تلك ألمانيا. أقصى العنف وأحنّ الترفّق.

نحن، الهلال الخصيب، الذي حولَّه النظام العربي إلى قحط وتخلّف وفقر وبطالة ويأس وأطلال، ونحن سوريا “قلعة العروبة”، التي لم يعد من يحميها سوى إيران، وفلسطين، التي لم يعد يذكرها أحد، ثم نحن “سويسرا الشرق)”، من الأولى خرج جان – جاك روسو، من عندنا خرج “المشروع الأرثوذكسي”. ذهب البطريرك الياس الرابع لحضور القمة الإسلامية في لاهور إلى جانب تقي الدين الصلح. نحن شركاء في الأمة وفي الإسلام، قال لمليار مسلم، بعباءته وطاقيته ووقار اللحية الإنطاكية. ثمة من يحوِّل الروم من سائر المشرق إلى سائر الحصى، التي يزلقون عليها الوطن نحو الهاويات ووديان العويل.

لاحظ مدى الغيابات وعمقها: لا إلفة لا أمل لا عمل لا قانون لا نور لا صلح لا دولة لا اقتصاد لا نمو لا طمأنينة ولا أحد تنادي عليه، دولة في الانعدام ووطن في الريح، لقيط، الكل ينفي أبوّته والجميع يريدون نهبه.

يقف بطل الشاعر محمد العبدالله(2) أمام مكبّ النفايات التي صارت جبلاً في الحارة، ويخاطب أهلها: “لا تتعودوا. إذا تعودنا فسوف تكون نهاية الجميع”. لكنها صرخة متأخرة في جميع الحارات. كان الهدف منذ البداية أن تتعود أن وطنك هذا ليس سوى مكبٍ، والفائدة الوحيدة في إعادَة التدوير. منذ “نهاية” الحرب ونحن نعيد تدويرها. كلما لاح أمل “شُمط” البلد من أذنيه، وأناخوه. على ركبتيه.

ولكن هل محمد العبدالله شاعر؟ هكذا تُعرفّ به حلقات الأدباء. أنا أعتقد أنه أندر من ذلك في هذا الزمن المكفهرّ الملبَّد والمهدَّد. إنه “شانسونييه” يُصلح ما يكتبه الشعراء الجوَّالون ونقَّاد الحياة. والحقيقة أنني أبحث عنه كل أسبوع، لأعرف إن كانت “مردكوشة” قد تعلّمت طبخ البصلية بالدجاج خلال الرحلة إلى كولومبيا. أو لا تزال.

صار المرء يستحي أن يجاهر بأنه يطرب لنسمات الابتسام وشعراء الحياة في لذائذ الفقر والقلة وبساطة الأحوال. العالم الذي يقدّمه محمد العبدالله كل أسبوع، يعيش خارج “السياق”. خارج القضايا. خارج الغضب وخارج الوعيد. لا يزال يسكن في عالم حقيقي، بسيط، فيه حب ومشاعر وهرج وصبايا وأفكار يسارية من جاك بريفير، لا من ستالين، وفيه، خصوصاً، درس في صنع بصلية الدجاج، خلال مؤتمر للشبيبة في كولومبيا، بلاد ماركيز.

ما هذا الطريق المسدود: إما فيديل كاسترو وإما أوغوستو بينوشيه؟ ألا تستحق الأمة رجالاً من نوع البرازيلي لولا، من نوع لي كوان يو ودنغ شياو بينغ ومهاتير محمد، من نوع سعد زغلول، من نظافة فؤاد شهاب، من أفق الحبيب بو رقيبة، من عظَمَة عبدالقادر الجزائري؟

أين ذهب الذين قلوبهم في سعة الوطن وهمّهم في هناء العائلة؟ تُحلّ المشاكل الأكثر تعقيداً بتبسيطها. كل الخراب الذي نراه اليوم، من تونس إلى سوريا، كان يمكن أن يتجنّب، بقليل من التواضع وشيء من المشاركة. كان حسني مبارك يرفض أن يتحدث بلغة يفهمها الناس، (كما أصرّ محمود الثاني)، فانتهى على محفَّة يجيب: “موجود أفندم” عندما ينادي عليه المباشر في المحكمة. وكان معمر القذافي يصرّ على أن تكون كرسيّه أعلى من كرسي ضيوفه، فانتهى على حصيرة صغيرة في مسلخ. وانتهى صدام حسين يحدّد بنفسه مشهد البطولة الأخير: هو، لا الجلاد، من يضع الحبل حول عنقه.

عبث الغرور الذي يقضي على الناس والحاكم معاً. يشرِّد الشعوب ويخرِّب البلدان. ومن بعدهم، جميعاً، الطوفان. وسهول وبوادٍ من المدافن التي لا أسماء لذوي ترابها. كلما تجوّلنا في بلدان البشر تذكّرنا ما قد صرنا إليه. لست أعني أميركا وأوروبا، وسطها أو شرقها أو غربها أو شمالها المبهر، بل سنغافورة وماليزيا والباراغواي، وأيضاً أندونيسيا. الدول التي اختارت فساداً أقل، وقانوناً أكثر. واختارت تواضعاً أكثر، ومشاركة أوسع. اختارت أن يكون حاضرها ومستقبل أطفالها في يدها وليس للإيجار. أوطان للبيع وشعوب للإيجار والنتيجة أمة هالكة تضحك من جهلها الأمم.

كم استفظعنا أن يكشف نتنياهو نية إعلان دولة يهودية. ما هذا التحدّر الإنساني المريع بعد ألفي عام على ظهور الدعوات إلى دين للعالمين وكونٍ لجميع الآخرين؟ لكنه سوف ينجح في الوصول إلى هذا القعر، ليس بالإسرائيليين بل بنا. إنه يتّكل على جهلنا أولاً. وعلى هذه الأصوات الخارجة من الكهوف، تبشّر بالظلام.

قامت هندسة الكاتدرائيات والكنائس منذ البداية، ليس على الأعمدة، ولا على الزوايا، ولا على الأسس. بل قبل أي شيء على تحديد مداخل النور من النوافذ. حتى العبادة لا تكتمل من دون نور. ونحن اليوم، من المحيط إلى الخليح، في عصر العتم. وإذا شئت تسمية مختصرة، لما نحن فيه سَمِّه “المشروع الأرثوذكسي”. إنه مُستقبل المنطقة.

1- “تاريخ الدولة العثمانية”، يلماز أوزتونا.
2- “أفعال ناقصة”، الملحق، السبت 2 آذار 2013.

المصدر:
النهار

خبر عاجل