
كتبت صحيفة “الجمهورية”:
إرتفع منسوب التأزّم السياسي بعد توقيع رئيسَي الجمهورية العماد ميشال سليمان والحكومة نجيب ميقاتي مرسومَ دعوة الهيئات الناخبة، بحيث تسارعت التطوّرات السياسية بنحو لافت، وبلغ الحراك الأكثري ضدّ هذه الخطوة أوجه، ما أضفى على المشهد اللبناني ضبابية تحجب الرؤية عن إمكان التوصّل إلى قانون انتخابيّ توافقيّ على رغم التأكيدات بدفن قانون الستّين، وبدء العدّ العكسي لانتهاء المُهل الدستورية.
ونتيجة الاتصالات التي أجرتها “الجمهورية” مع مختلف الأطراف الرسمية والسياسية، بدا أنّ المعطيات الماثلة قد تضع البلاد أمام السيناريوهات والخيارات الأربعة الآتية:
ـ أن يدعو رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى جلسة عامّة لإقرار المشروع الأرثوذكسي لأنّه حاز الأكثرية في اللجنة الفرعية أوّلاً، ثمّ في اللجان النيابية المشتركة ثانياً. وبذلك يكون قانون الستّين قد سقط دستوريّاً. ويبدو أنّ هذا الخيار هو الأكثر رجحاناً.
ـ الذهاب إلى الانتخابات على أساس قانون الستّين وبذلك تُعتبر العملية الانتخابية غير ميثاقية، في اعتبار أنّ رافضي هذا القانون كُثر ويشكّلون مكوّنات ميثاقية، وعددهم يتجاوز عدد رافضي المشروع الأرثوذكسي. كذلك فإنّ الدعوة الى الانتخابات على اساس قانون الستّين تعطل نفسها بنفسها إذا لم تُقرّ هيئة الإشراف على الانتخابات، الأمر الذي يصرّ عليه سليمان وترفضه غالبية أعضاء الحكومة.
ـ أن يتّخذ طرف ما على عاتقه مسؤولية إعلان تأجيل الانتخابات توافقيّاً وسلميّاً.
ـ أن يفتعل طرف ما أحداثاً أمنيّة تؤدّي الى تعطيل الانتخابات.
علماً أنّه من الآن وحتى موعد إجراء الانتخابات هناك “مجهول ـ معلوم” يتمثل في تطوّرات الأزمة السورية وارتداداتها على لبنان، وهي في حدّ ذاتها قد تؤدّي الى تأجيل الانتخابات.
«اليوم الأسود»
لم تسلم الساحة الداخلية من مضاعفات توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة الذي أثار جدلاً واسعاً خلال جلسة مجلس الوزراء، ودفع الأكثرية النيابية الى إطلاق موقف شديد اللهجة، كانت “الجمهورية” توقّعته أمس الأوّل. فوصفوا هذا التوقيع بـ”اليوم الأسود في تاريخ السلطة التنفيذية تجسّد بتجاوز الإرادة الوطنية عموماً، والمسيحية خصوصاً الرافضة قانون الستين وإعادة إحيائه”.
وأكّد رئيس تكتّل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون “أنّ قانون الستّين دُفن ولن تجري الانتخابات على أساسه”، واتّهم قوى 14 آذار وتيار” المستقبل” بأنّهم “حرمونا من حقوقنا واليوم يبتزّون بعضهم بعضاً بقضايا طائفية وسِخة”.
أمّا كتلة “المستقبل” فأكّدت انفتاحها على أيّ قانون يُشكّل مخرجاً للأزمة الراهنة، ورأت أنّه “لا يمكن الوصول الى حلول إلّا في ظلّ حكومة حيادية تُبعد البلاد عن التوتّر”.
برّي
في هذا الوقت، سُئل رئيس مجلس النواب نبيه بري رأيه في خطوة سليمان وميقاتي، فاكتفى بالإجابة: “لا تعليق”.
وسئل أيضاً: تحدّث بيان نوّاب الأكثرية عن استكمال المسار التشريعي من خلال الهيئة العامّة؟ فأجاب: “نعم، نحن ممثّلون في الاجتماع عبر كتلتنا”.
وهل هذا يعني أنّكم موافقون على ما تضمّنه؟ فأجاب: “نعم”.
وفي الموازاة، لمس زوّار برّي امتعاضه الشديد من خطوة سليمان وميقاتي توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، ووصف مصدر وزاريّ هذه الخطوة بأنّها “سياسية بامتياز وليست إجراءً روتينيّاً قانونيّاً”.
على أنّ الحكومة نفسها لم تَسلم نتيجة توقيع هذا المرسوم من شرخ عموديّ أصابها بين فريقين، فريق رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزراء “جبهة النضال الوطني” من جهة، وفريق وزراء 8 آذار من جهة ثانية، الأمر الذي صمّ آذان الحكومة عن سماع أصوات أصحاب “السلاسل” الذين زنّروا الطرق المؤدّية إلى القصر الجمهوري.
وطغى هذا التوقيع على النقاش في جلسة مجلس الوزراء، وعلا صوت الدستور في مداخلة لسليمان أكّد فيها أنّ ما قام به هو واجب دستوريّ يمليه عليه ضميره، بغضّ النظر عن موقفه من قانون الستّين، ووافقه ميقاتي الرأي مؤكّداً أنّه كرئيس حكومة ملزم بتوقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة طالما أن ليس هناك قانون انتخابيّ آخر.
وقد أكّد وزراء الأكثرية رفضهم قانون الستين واعتبار توقيع المرسوم محاولةَ تسلّل إلى هذا القانون ذاتِ آثار وأبعاد سياسية، على حدّ قول الوزير علي حسن خليل.
أمّا الوزير جبران باسيل فتحدّث عن “السطو” على حقوق المسيحيّين في معرض رفضه قانون الستين، فردّ عليه الوزير وائل أبو فاعور قائلاً: “ما بين السطو وذبح البلد بقوانين طائفية (في إشارة الى المشروع الأرثوذكسي) نحن نعتبر أنّ السطو جنحة والذبح جريمة”.
وعلمت”الجمهورية” أنّ سليمان قال للوزراء “إنّ الجميع متفقون على أنّ قانون الستين ميت، لكنّني أرى أنّه في موت سريريّ ولن يدفن إلّا عند صدور قانون جديد، فلا يجب ترك الجثة على الأرض”.
خليل وميقاتي
وعلمت “الجمهورية” أنّ خليل علّق على قول رئيس الحكومة أمس الأوّل أنّ “القانون الأرثوذكسي” لن يمرّ، فقال له: “لا يحقّ لك كرئيس حكومة ولا لأيّ كان، ولا حتى لي، قول مثل هذا الكلام الذي يتناول صلاحيّات السلطة التشريعية. في إمكانك أن تبدي رأياً سياسياً في المشروع وهذا من حقّك، ولكن ليس لديك الصلاحية أو الحق في القول إنّه لن يمرّ، لأنّ هذا الامر تقرّره الهيئة العامة لمجلس النواب”.
وبدل أن يردّ ميقاتي على خليل، ردّ رئيس الجمهورية قائلاً: “لسنا أوّل ناس قالوا هذا الكلام، كثيرون تحدّثوا بهذه اللغة في تصريحات وبيانات عدّة”.
باسيل
وقال باسيل لـ”الجمهورية”: إنّنا متفقون على أنّ قانون الستين مات، لكنّنا مختلفون على حصر الإرث”. وأضاف: “لا يتذرعنّ أحد بالميثاقية ليمنع حقوق فئة من اللبنانيين، ودستورنا كان واضحاً عندما تحدّث عن المناصفة بين المسيحيّين والمسلمين.