#adsense

“حزب الله”: فتنة ضدّ الفتنة ـ فتنة من أجل الفتنة

حجم الخط

 

ذات مرة تطوّع صحافيّ يساريّ لبنانيّ راحل لخلع لقب “الديالكتيك” على ما يقوم به زعيم التشكيل الخمينيّ المسلّح العامل في لبنان. مثّل ذلك حالة نافرة من حالات سوء الاستخدام اليساري العربي لهذا المصطلح المنتزع من مفهومه المنطقي – الفلسفيّ، لا بل حتى من تسييسه الأيديولوجي الماركسيّ، لتحويله نعتاً يُستعانُ بغرابته الأعجمية لتوليد إيحاءات مبهمة بالمعنى، لكنها تقترب إما من معنى المراس الشديد، أو الذكاء المضاعف القادر على تسخير التناقضات لحسابه، أو حتى البلاغة المتمكنة من دحض كلام الآخر بتسطير ما فيه من تناقضات، وتحويل كلام الآخر حجة عليه وليست له. بمثل هذا جرى التداول بمصطلح “الديالكتيك” في العربية منذ شاع رذاذ الماركسية فيها، وبمثل هذه النقلة من اللغة الفلسفية المحكمة إلى تلك الأيديولوجية المساجلة إلى تلك الصحافية السائبة، جرى مسخ المفهوم نعتاً، وإحلال نعت “الديالكتيكي” على زعيم حزب يحتكم إلى الغيبية والإحيائية والمظلومية المتجاوزة حدّ التاريخ، ويفرض على بيئته الأهلية أنماطاً من التقوقع والتزمّت والاشتباك مع البيئات الأهلية الأخرى، ذلك قبل أن يمجّد هذه البيئة ويرفعها فوق الآخرين، ويصطفيها كـ”أشرف الناس”، في انتهاك صارخ لمفهومَي الوطنية والمواطنية. أم أنّ ذلك كان من دواعي “الديالكتيك”؟

مع ذلك، لم يكن الصحافي الراحل الذي تطوّع لرمي أمير السلاح والمسلّحين بنعمة “الديالكتيك” مغموراً بل مشهوراً، وحصيفاً، ومرموقاً، ونموذجاً في الكتابة المرتكزة إلى دراية، ومنطق، وحيوية نقدية، وأسلوب شيّق. ولم يكن لوحده من أهل اليسار من اطمأن قلبه وعقله للخمينيين اللبنانيين، معتبرين أنّ تصفيات الثمانينات بحق حسين مروة ومهدي عامل وسهيل طويلة ليست إلا نيراناً صديقة وعابرة، وزهوراً بريئة في نهاية المطاف، توجّب أن يمرّ عليها قطار “الديالكتيك” الأهوج في حركة التاريخ الماضية قدماً إلى الأمام، ولا وقت لديها للحظة معاتبة شاردة.

والحقّ أنّ الصحافي الراحل الكبير، ولو أنه أخطأ في تقزيم “الديالكتيك” لجعله صفة لزعيم ميليشيا لبنانية محلية، غير أنّه كانت لديه وقتها ما يمكن أن يبرّر له مجازفته. فالحزب الإلهي، بل المتألّه، كان يبدو على العكس من ذلك في عقد التسعينات من القرن الماضي، حزباً يحاكي نموذج حركات التحرّر الوطنيّ من ناحية، ويتعاطى السياسة الداخلية بحنكة (لا داعي هنا أيضاً لوصف كل ذي حنكة بأنّه “براغماتيّ!)، وبلغة غير متشجنة فئوياً، والأهمّ من ذلك غير المنقادة وراء سَكْرة السلاح لتخوين الآخرين في البلد بشكل مباشر، وحاد. وأكثر من هذا، كان يبدو الأمر وكأن الحزب الخمينيّ يترك مجموعات من “المتنوّرين” تنمو على ضفافه، تأثّراً بمرحلة السيد خاتمي في إيران. كأنّه “الزمن الديالكتيكي الجميل”، لم لا؟!

لكنّ الحزب لم يكذّب خبراً في نهاية الأمر. إن كان لا بدّ من مفهوم يستلّ (كاريكاتورياً) من المعجم الفلسفي لوصف مآله، فهو “العود الأبديّ” بدلاً من “الديالكتيك”. فهذا الحزب، وبعد أن قطع مرحلة التسعينات، بالإيجابيات التي أشرنا إليها، انتقل في العقد الأول من هذه الألفية إلى مكان آخر، فانتشى وتجبّر، وقال: “لا أدخل” مع ذلك في فتنة مذهبية، ثم قال: “أدخل فيها ليوم أو يومين فقط، إن كنت قادراً على إيقافها بمشيئتي وسلاحي، وإبرام صلح بما يوافق الأمر الواقع”. ثم قال لنفسه: “أعود فأدخل بها قليلاً أيضاً لتعديل هذا الصلح، فليس ضرورياً أن من يربح الانتخابات سيحكم إن كان هو الفريق الآخر”. ثم قال لنفسه، أعود فأدخلها أيضاً وأيضاً من باب تقسيم اللبنانيين بين معسكرَي حرب الجمل في الزمن الإسلامي المبكر، وعندما ارتفعت الصرخة المذهبيّة حمّلت فقط إلى الشيخ أحمد الأسير، ثم قال لنفسه إن خلية في أرض الكنانة لا تعدّ فتنة، بل اقتفاء للأثر الفاطميّ بعد مضيّ قرون مديدة على انقضائه، وعاد وقال لنفسه إن مدّ اليد للجماعة الحوثية في صعدة شمال اليمن ليس من الفتنة في شيء، وفي البحرين كان عليه أيضاً تأدية وظيفة يتداخل فيها مفهوما الفتنة المذهبية والثورة الشعبية.

طبعاً ينبغي التذكير أنّ مصطلحَي فتنة وثورة كانا في الأساس مترادفين تاريخياً، ويعنينان الخروج المذموم على طاعة الحاكم، بل إإن المؤرخ المصري للحملة الفرنسية عبد الرحمن الجبرتي تكلّم عن الثورة الفرنسية الكبرى فقال فتنة، وعن أعمال المصريين ضد رجال الحملة، فقال فتنة. لكن بالنتيجة، صارت “ثورة” باللغة العربية، و”انقلاباً” بالتركية والفارسية يعنيان بعد ذلك ببضعة أجيال ما يفيد المعنى الحديث، الغربي، للثورة. إلى أن كانت الثورة الخمينية، فأعادت الوصل بين مفهومي الثورة والفتنة. ما نتعرّف إليه اليوم بالتحديد هو طبيعتها كثورة مذهبية حتى النخاع، وتحديداً في نموذجها المكثّف، الكبسولة: “حزب الله”.

فكي نكمل الشوط، عاد هذا الحزب وقال لنفسه إنّه لا بأس بنقض “صلح الدوحة”، وفتنة صغيرة واستباقية كهذه لا تضرّ، ثم قال لنفسه إنّه لا بأس بموقفٍ معادٍ للثورة السورية من الأساس، فالنظام هناك وطنيّ وهو بإصلاح نفسه كفيل، والثورة عليه فتنة. مفارقة احتجاج الحزب الإلهي بعلمانية النظام لتأكيد “فتنوية” الثورة. ثم قال إنه لا بأس بنفر أو نفرين من الحزب لمساعدة الشباب الشبيحة، ثم قال لا بأس بكتيبة أو بكتيبتين، وفي الوقت المستقطع لا بأس بالعودة إلى الزمن الجميل الأوّل، زمن العمليات الهوليوودية، ولنضرب في بلغاريا مثلاً، ثم وجد نفسه يندفع إلى ريف حمص ومنطقة القصير أفواجاً أفواجاً، ثم وجد نفسه في الثمانينات من القرن الماضي، وأخذ ينصح القوم بأن “لا تجرّبونا”.

… كلّ ذلك وهو يداوي الفتنة بالتي كانت هي الداء، ويسقي الفتنة كي تنام من معين الفتنة. ديالكتيك”!!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل