منذ مدة غير قصيرة، يخوض معظم قوى 8 آذار، وربما جميعها، حرباً دون كيشوتية ضد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، واقول دون كيشوتية، لأن هذه القوى لا يمكن ان تصل الى اي مكان في حربها هذه، على اعتبار ان اي حرب ضد مسؤول يلتزم بتنفيذ ما اقسم على احترامه في الدستور والقوانين وفي المصلحة الوطنية، هي حرب نتيجتها الانهزام وليس الانتصار، واذا اردنا ان نكون اكثر دقّة، نقول ان الحرب ضد سليمان بدأت عندما خلع رئيس الجمهورية، المسؤول الاول عن سلامة الوطن والشعب، القفازات الديبلوماسية المعروفة عنه، وقال رأيه بصدق وصراحة وشجاعة، في ما يتعلق بالاعتداءات على البلدات اللبنانية والمواطنين اللبنانيين على طول الحدود الشمالية والبقاعية، وفي الوقت ذاته دان اي تدخل مسلّح او غير مسلّح من داخل لبنان ضد سوريا، وهذه المواقف المنسجمة مع ما نص عليه الدستور والقوانين لا تعجب بالطبع قوى 8 آذار، ولا تعجب حلفاءها ما وراء الحدود، خصوصاً بعد موقف سليمان الوطني من محاولة الوزير السابق ميشال سماحه ادخال متفجرات الى لبنان لاستعمالها، كما فصّل القرار الظني، بقتل شخصيات لبنانية لاثارة الفتنة الطائفية، وموقفه من اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن، وربطه بعملية سماحة – مملوك. واصبح واضحاً من سياق الحملة على سليمان، ان قوى 8 اذار تحرم على غيرها ما تحلله لنفسها، وهذه قاعدة من قواعد النرجسيين المعجبين بذواتهم، ممن يحسبون انفسهم انهم فوق مستوى البشر.
قد يوافق فريق من اللبنانيين الرئيس سليمان، موقفه الرافض لمشروع اللقاء الارثوذكسي، وقد يخالفه فريق آخر، وهذه الصورة المتناقضة، هي من صلب الممارسة الديموقراطية في نظام برلماني ديموقراطي حرّ، ولكن الامر المحسوم ان رئيس الجمهورية اعتاد ان يزين مواقفه بالميزان الدستوري، وبميزان الميثاق الوطني، وليس كغيره بميزان العاطفة او المصلحة الشخصية، او الحزبية او الطائفية او المذهبية، وسليمان لا يمكن ان يسمح لنفسه بتأييد مشروع اللقاء الارثوذكسي او السكوت عنه، وهو كان على رأس جلسة مجلس الوزراء التي اقرّت مشروعاً حكومياً للانتخابات النيابية، بصرف النظر اذا كان يتمتع بأكثرية نيابية او شعبية، وهو عندما اعلن بأنه سيطعن بهذا المشروع امام المجلس الدستوري، سبق له واعلن ايضاً ان قانون الستين الاكثري هو قانون سيئ، وان النظام النسبي هو الاسلم للحياة الديموقراطية والانسب لصحة التمثيل، فكيف يصحّ اذن اتهامه من قبل قوى 8 اذار المجتمعة نيابياً بالامس انه يمهّد بتوقيع مرسوم دعوة الناخبين الى الاقتراع في التاسع من حزيران المقبل وفق القانون النافذ الذي هو قانون الستين المعدّل من قبل «ابطال» الدوحة ليكون بديلاً عن مشاريع اخرى، وكأني بهؤلاء الناس يريدون من الرئيس سليمان ومن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ان يخالف الدستور والقوانين المرعية الاجراء، او كأن سليمان وميقاتي هما المسؤولان عن عدم تفاهم الافرقاء على مشروع قانون بديل، او هما المسؤولان عن عدم دعوة مجلس النواب الى جلسة عامّة للتصويت على المشاريع المنجزة المرفوعة اليه من اللجان المشتركة.
* * * *
قوى 8 اذار تحيّد رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي يؤكد انه سيدعو المجلس عند التوافق على مشروع قانون يرضي الجميع او الاكثرية الساحقة من مكوّنات الشعب اللبناني المذهبية، مع ان نوابه صوّتوا في اللجان المشتركة الى جانب مشروع قانون يعترف هو انه غير ميثاقي، والقوى ذاتها تتجنّب الهجوم على ميقاتي، لان كتاب استقالته جاهز في جيبه، وبذلك لا يبقى في وجهها سوى الرجل الذي يبذل كل جهد للمحافظة على العيش المشترك، والاستقرار، ويتمسّك بالدستور سبيلاً للمحافظة على وحدة لبنان وسلامة اراضيه، وقد تكون خطيئة الرئيس سليمان دعوته الى عدم رشق القوى الامنية، وخصوصاً الجيش بزرّ ورد، لأن «لا بديل للبنان عن الأمن الشرعي»، امّا السلاح الذي يستقوي به البعض، فهو سلاح مدمّر وقاتل لانه سلاح غير شرعي، حتى ان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي رفض اي سلاح يستخدم في الداخل ضد المواطنين، وكرر ما سبق للنائب جنبلاط وذكّر به من ان طرح رئيس الجمهورية العماد سليمان في هيئة الحوار حول سلاح المقاومة، هو الطرح الافضل الذي يريح البلد ويمنع الفتنة.
حرب الطواحين الشعبوية، لا تنتقص من وطنية سليمان ولا من هيبته، ولا من تمسّكه بالكتاب وهي تصيب بالدرجة الاولى مقام الرئاسة الاولى، التي طالما ادّعى المدّعون انهم حريصون عليها.