كتبت فاطمة حوحو في “المستقبل”:
“أنا مشهور بيطلع خلقي وبس يطلع خلقي بتصير الأمور غير شكل”، هكذا قال رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون ذات مرة، مبرراً تهجمه على تيارات سياسية معارضة. وكم من مرة لم ينجُ الصحافيون من نيران لسانه ولا يستطيع ضبط الكلام اللاذع أو “الرذيل” أو عدم التعرض لزميل أو زميلة يؤديان واجبهما المهني في متابعة نشاط الرابية، ومن دون أن يعتذر عن أي كلمة جارحة يلقيها أو “فشة خلق” غير مبررة.
ففي بلد الديموقراطية والتغني بالحرية، تطل الصور التلفزيونية الملتقطة من الرابية، مقر “الجنرال” الطامح الى آخر نفس لرئاسة الجمهورية، لتقدم لنا نموذجاً غريباً في الحياة السياسية اللبنانية، حيث يُستهدف السياسيون بالنقد اللاذع والكلام الجارح. وإن تجرأ صحافي على السؤال يلقى ما يناسبه من عبارات مسيئة ومهينة، من لسان لا يقر بحق الصحافي المهني والإنساني والفكري، فيعمد إلى اضطهاد هؤلاء عبر دعوتهم تارة الى السكوت وتارة أخرى عبر صراخه عليهم “ما خصكم” كما حصل بالأمس مع إحدى الإعلاميات.
وفي تاريخ الجنرال محطات كثيرة من هذا النوع، عندما تهجم على كل وسائل الإعلام المقروءة ما استدعى لقاء تضامنياً عقد في مقر “مؤسسة سمير قصير” في العام 2008 لاستنكار أسلوب العنف على الصحافة وفشة الخلق بمندوبي الوسائل الإعلامية.
لقد ثبت في أكثر من محطة بأن عقلية العماد لا تحتمل النقد ولذلك يلجأ إلى التشهير بالصحافة، ويخرق التقاليد في مهاجمته الإعلام، لا بل يصدر حكم الإعدام بحق بعضها.
فسلوك عون مع الصحافة ليس جديداً، فهو أقفل في السابق أبواب القصر الجمهوري أمامهم عندما كان رئيساً رغم أنه أطلق عليه اسم قصر الشعب، وعلى أي حال لا أحد يستغرب مثل هذا السلوك مع الإعلاميين فهو في السياسة، لا يقوم بما هو أفضل، فاللبنانيون عرفوه شخصية غير سوية. بعضهم أكد إصابته بجنون العظمة، وآخرون رأوا فيه ظاهرة فريدة، وآخرون لمحوا إلى مواقفه بدءاً من خوضه حرب التحرير إلى حرب الإلغاء إلى حرب الاقتصاد تحت عنوان “الإبراء المستحيل” إلى ما هنالك من مواقف تهز أبدان اللبنانيين يومياً وتجعل بعضهم يتساءل ماذا ربحنا بإعادته من المنفى؟ وهل نحتمل الدخول في التجربة أكثر من مرة وهو يستعرض نفسه مدعياً انه أقوى ممثل للمسيحيين والقادر على الإمساك بزمام الأمور وتفصيل البلد على مقاسه، فيما يطلب المواطنون أن ينجيهم الله من التجارب العونية؟
يعلّق الزميل علي حمادة على الخطاب “الوضيع” للجنرال عون مع الصحافيين ومع الصحافة بشكل عام، مؤكداً أن “الحق ليس على عون بمقدار ما هو على الصحافيين الذين يقبلون هذا النوع من التعامل، ولو كنت مكان الزميلة الصحافية التي تعرضت بالأمس للإهانة من قبل عون، لكنت رددت عليه ووقفت وغادرت المكان أمام كاميرات التلفزة، لا يجوز القبول بهذا النوع من التعامل وكأنه أمر عادي. وهذا التعامل يعكس ميزة شخصية أو خصوصية شخصية سياسية. واجبات عون وغيره التعامل باحترام مع الإعلام، لكن واجب الإعلام وكل الإعلاميين أن يكونوا أكثر حزماً في التعامل مع من يسعى الى إهانتهم على مرأى ومسمع الجميع، وهذا لا ينطبق فقط على الزميلة التي تعرضت لمثل هذا الأمر بالأمس فقط، إنما على العشرات الذين سبقوها وقبلوا بهذا النوع من التعامل”.
ويرى أن “عون رجل شتّام” لا يجوز الانحدار معه إلى هذا المستوى، لأن “الشتام” لا يمكن التغلب عليه في هذا المضمار، لكن يمكن للإعلام أن يؤدب عون، وهنا لا أتحدث عن الإعلام المنحاز الى “حزب الله” وعون، إنما الإعلام الآخر، أي محطات التلفزة والإذاعات الأخرى والصحافيون من الوسائل الإعلامية التي تحترم نفسها، عليهم أن يكونوا حازمين وأن يتصرفوا بيد واحدة وبصوت واحد، ليس فقط ضد إهانات عون وإنما ضد إهانات أي كان من السياسيين أياً كانوا وفي أي ظرف كان”.
ويوضح “أنا اتحدث هنا أيضاً عن المراسلين والمصورين لأننا نادراً ما نعرف بأن المصورين يتعرضون لإهانات وتعامل خشن معهم في أكثر من مكان، العتب هو على الصحافة والصحافيين، لأنهم يقبلون بذلك ويعودون في كل أسبوع وفي كل مرة يتم استدعاؤهم إلى تغطية أخبار عون أو أي شخص آخر يتعاطى معهم بطرق غير لائقة وهذه مسؤولية الصحافي والمراسل والمصور لكنها أيضاً وقبل ذلك مسؤولية المؤسسات التي ينتمون إليها”.
ويؤكد “إن سكتنا عن هذا النوع من التعامل مرة واثنتين وثلاثاً وعشر مرات كما في كل مرة فإن هذا التعامل لن يتوقف ولن ينتهي، وسوف يستمر عون وأمثاله بهذه الأساليب وبخطاب “وضيع” نسمعه، يجب عدم السكوت. وبأي حال، أي صحافي لا يشعر بأن مؤسسته تقف معه لا يمكن له أن يواجه لوحده. والقرار بمقاطعة عون أو غيره يجب أن يكون من قبل المؤسسة التي يعمل فيها الصحافي. ولو تمت مقاطعة عون من مؤسسات عدة فإنه سيدرك أن هناك مشكلة ويضطر للتعامل باحترام ولا يتطاول على أي من الصحافيين”.
يوافق الزميل نوفل ضو على القول إن عون شخصية استفزازية، مفسراً بأن معنى “الاستفزازية هو في استفزاز الآخرين، بينما هو شخصية عصبية، هو الذي يستفز من لا شيء وبالتالي يضع نفسه دائماً في موقع المستهدف والضحية، في وقت إن الكل ضحايا سياساته وأدائه سواء على الصعيد المسيحي أو الوطني، وكلنا يعرف أنه أول ما دخل عون إلى الحياة السياسية دفع اللبنانيون ثمن خياراته الخاطئة، بدءاً بحرب التحرير التي كانت شعار حق أريد به “باطل” وجاءت نتائجه معاكسة تماماً للأهداف التي رفعها، وكان الهدف كله في وقتها هو سحب السجادة من تحت أقدام الفريق المسيحي المقاوم فعلاً والرافض فعلاً للاحتلال السوري في لبنان، في حين كانت مشكلته حينها مع السوريين هي في عدم الموافقة على أن يتولى هو رئاسة الجمهورية، وبالتالي أدت هذه السياسة إلى إدخال لبنان والمسيحيين تحديداً في حرب مدمرة مع السوريين دفعوا ثمنها نتيجة عدم التكافؤ في ميزان القوى بين الفريقين، علماً أنه قبل حرب عون ضد السوريين ومن بعدها حرب الإلغاء كانت القوة المسيحية كافية لإقامة نوع من توازن الرعب مع السوريين وبالتالي لتثبت الأمور على الأرض، إن لم يكن لمصلحة المسيحيين، فيمكن القول يأتي بنوع من التوازن مع القوى الإقليمية التي كانت سائدة في ذلك الوقت، وكلنا يعرف أن سياسة “حرب الإلغاء” أدت في النهاية إلى إضعاف المسيحيين وإلى أن يدفع لبنان أكثر وأكثر من بعد اغتيال الرئيس معوض ثمن تحول الرعاية العربية الدولية لاتفاق الطائف إلى رعاية سورية منفردة. وهذا أدى إلى أن ندفع كلبنانيين ثمن ما حصل في لبنان ما بين 1990 2005″.
ويضيف ضو: “عون يدّعي أن هناك فريقاً تعاون مع السوريين في تلك الأعوام، ولكن أنا أقول إنه كان السبب في دخول السوريين من جديد إلى المعادلة في البلد ولا ننسى أن السوريين قبل العام 1990 كانوا خارج قسم كبير من الأراضي اللبنانية ثم عادوا ودخلوا ليس فقط إلى قسم من جغرافيا الدولة اللبنانية وإلى الأراضي التي كنا نقول إنها محررة لأنه لا يوجد فيها وجود سوري وتحديداً في بعبدا والمتن الشمالي وغيرها”.
ويلفت إلى أنه “في كل دول العالم لا نرى زعيماً سياسياً يتعاطى مع الإعلاميين بالشكل الذي يتعاطى فيه عون مع الصحافيين اللبنانيين، حتى في الدول التوتاليتارية، على الأقل في هذه الدول يحيطون أنفسهم بصحافيين من جماعتهم ويحاولون الظهور أمام الرأي العام بشكل ديموقراطي، يحافظون من خلاله على الشكل. أما عون فليس لديه فكر ولا مضمون في هذه الناحية، فهو شخصية نادرة بالمفهوم السلبي للكلمة، بوجودها في الحياة السياسية اللبنانية، إذ كيف يمكن لزعيم سياسي ألا يتقبل النقد والاستيضاح، وكيف يمكن لشخص لا يتحمل سؤال صحافي أو تصريحاً من رجل سياسي أن يكون حكماً أو رئيس مؤسسة أو رئيس رؤساء المؤسسات. أعتقد أن هناك شبه إجماع على أن الشخصية التي تُستفز بهذا الشكل لا يمكن أن تتولى المسؤوليات بشكل جدي ورسمي”.
ويشير عضو الأمانة العامة لقوى الرابع عشر من آذار الياس الزغبي إلى أن “كل سلوك ميشال عون السياسي والإعلامي غريب وعجيب من نوعه ويتناقض على كل المستويات مع الأخلاق السياسية والأداء السياسي، لا سيما في الوسط المسيحي. ففي زمن الكبار، منذ الأربعينات إلى الثمانينات أي من بشارة الخوري إلى كميل شمعون إلى فؤاد شهاب وسليمان فرنجية والياس سركيس وكل الشخصيات السياسية المسيحية الكبيرة، كلها كانت تتقن خطاباً سياسياً مترفعاً برغم بعض المزاح السياسي الخفيف الظل. مع ميشال عون سقط هذا المستوى وتدنى وأصبح الخطاب السياسي أقرب إلى الأسلوب الشارعي. ويتجلى في استخدام عبارات وألفاظ تصبح على كل شفة ولسان أو على مستوى علاقته بالإعلام مع المندوبين الصحافيين، إذ يستفز من أي سؤال لا يستسيغه، والملاحظة الأشد خطراً أنه كلف القيمين حوله وبعض المسؤولين بضبط الأسئلة وتوجيهها قبل خروجه إلى الإعلام، أي أن الإعلاميين المنتدبين في الرابية هم إعلاميون خاضعون لبرمجة خاصة بالأسئلة والأجوبة”.
ويضيف: “ومع ذلك بعض المندوبين يخرج أحياناً من دون إدراك ومن دون قصد عن المطلوب أو المحدد أو المبرمج، بسرعة يرتد ذلك على عون ويبدو أنه يتوتر ويرد بانفعالية على السائل أو السائلة، إلى درجة الإهانة “اسكتوا”، “ما خصكم” و”ليس لكم علاقة” أو “هذا السؤال اسأليه لغيري” وهذه “مثل شو…” ويحول بذلك الحوار السياسي إلى تبادل ألفاظ غير لائقة وغير مقبولة وغير مستساغة من قبل الرأي العام”.
ويرى أن كل هذا يدل على شيء خطير هو أن ميشال عون مسؤول قبل سواه عن تدني الخطاب السياسي وعن ضرب منظومة القيم السياسية والأخلاقية في التعامل بين السياسيين أولاً وفي التعامل مع السياسيين والإعلاميين ثانياً. وهذا ينعكس على أداء كل البطانة التي تمت بصلة إليه والمحيطة به حتى الوسائل الإعلامية المحسوبة عليه، فمن يراقب تلفزيونه وإذاعته وموقعه الالكتروني وكل من يدور في فلكه من الإعلاميين يلاحظ أنهم تأثروا بهذا الأسلوب الخارج عن اللياقات منذ سنوات ويبالغون في الأمر.