لم يكلف عون نفسه وزر تحميل الحلفاء، مسؤولية تعطيل انعقاد الهيئة العامة. في يدهم مفتاح المجلس، فلماذا استنكفوا عن تسريع مسار “الأرثوذكسي”، مستغلين الفرصة الذهبية للتصويت عليه؟
الفرصة قد لا تتكرّر. إجماع مسيحي طالب به وحصل عليه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ارتباك وهلع داخل “14 آذار” بفعل موافقة مسيحيّيها على “الأرثوذكسي”، تاركين تيار “المستقبل” يتخبط وحيداً. فلماذا التأخير وإدخال هذا القانون في زواريب اللجان، وأنفاق التوافق الوطني، وما يتبعه من حرص على مشاركة الجميع، طالما أن السقف الذي وضعه عون وبرّي و”حزب الله” قبل اجتماع بكركي: “أعطونا إجماعاً مسيحياً داعماً لـ”الأرثوذكسي”، وخذوا قانوناً يؤمّن لكم 64 نائباً، وسندهش وإياكم العالم”. وبالتالي هل كان عمل اللجان النيابية خارج المجلس وداخله، مجرد إعطاء فرصة للتوافق، أم ابتزازاً سياسياً محترفاً لتيار “المستقبل” والنائب وليد جنبلاط، ليخضعا لشروط على أجندة أخرى أعدّها “حزب الله”؟
هذه الأسئلة لم يسألها العماد عون مرة واحدة. اكتفى الجنرال بفشة خلق وجّهها إلى رئيسي الجمهورية ميشال سليمان والحكومة نجيب ميقاتي بسبب توقيعهما مرسوماً دستورياً، يُجمع خبراء القانون على أنّ عدم توقيعه يُحمّل من لا يوقّعه، مسؤولية الوصول الى الفراغ الدستوري.
بعد الهجوم على كلّ من سليمان وميقاتي، لم يسأل أحد من مسيحيّي الثامن من آذار، عن سبب عدم مرور “الأرثوذكسي” الى الآن، على رغم أن كل أدوات إقراره تمتلكها عملياً قوى “8 آذار”. من رئاسة المجلس النيابي الى الأكثرية في الهيئة العامة، الى تأخر قوى “14 آذار” وجنبلاط في الاتفاق على قانون بديل، وكلها عوامل تضع في يد “حزب الله” والعماد عون كبسة الزر لانطلاق رحلة “الأرثوذكسي”، فمن يعطّل إذا هذا القانون؟
لم يجرؤ العماد عون بعد على وضع الأصبع على الجرح. هل سيصارح قاعدته وجمهوره بأنه كان يعلم منذ البداية، أن “حزب الله” غير قادر على تمرير”الأرثوذكسي”، وأن الرئيس برّي يعارض هذا القانون بعمق، وأنّ كل هذه التجربة كان هدفها اصطياد “القوات اللبنانية” و”الكتائب”، الى فخ رفض الـ64 نائباً مسيحياً على طبق من ذهب، فيصبح بعدها من السهل أن يفوز عون بأيّ قانون انتخابي؟
هل سيصارح العماد عون جمهوره بأنه بات غير قادر على وضع اصبعه على جرح “الأرثوذكسي”، لأنه لا يستطيع الدخول في مواجهة مع الرئيس برّي، بعدما كرّس رئيس المجلس معادلة أن لا انتخابات من دون قانون توافقي، ما يعني أن لا “أرثوذكسي” في الهيئة العامة، لأنه أيضاً قانون غير توافقي؟
هل سيصارح العماد عون جمهوره بأنّ رئيس المجلس بات لديه أدوات أخرى لتعطيل “الأرثوذكسي” حبياً، بسبب اقتراب جنبلاط من الاتفاق برعاية “المستقبل”، مع “القوات” و”الكتائب” على القانون النسبي والأكثري المختلط، مع العلم بأن هذا الاقتراب يعطي سلاحاً إضافياً لبري ليتشدّد في تطبيق معادلة القانون التوافقي، وذلك خوفاً من مرور قانون “14 آذار” في حال فتح أبواب الهيئة العامة لكل احتمالات التصويت على مشاريع القوانين.
في انتظار أن تتبلور الصورة أكثر قبل نهاية آذار، تتوضح اكثر فأكثر معالم مأزق في العلاقة بين مكونات الثامن من آذار. فعلى رغم أن العماد عون يترجم هذا المأزق بالهجوم على رئيسي الجمهورية والحكومة، إلّا أن ذلك لن يحجب فشل مناورة “حزب الله” التي ارتدت عليه وعلى العماد عون سلباً، كما أن ذلك لن يخفف من مردودية ما قامت به “القوات” حين وافقت على “الأرثوذكسي” بهدف تحسين التمثيل المسيحي.
ففي وقت كانت قوى الثامن من آذار تصوّب على رئيس الجمهورية، كان مكونان أساسيان في قوى “14 آذار” يجتمعان في معراب، بعد قطع معظم الطريق لاتفاقٍ على قانون انتخابي، في مشهد يؤشر الى بداية انقلاب السحر على الساحر.