إنّ أيّ اتفاق انتخابي بين 14 آذار وجنبلاط يعني نَزع الأكثرية النيابية عن «الأرثوذكسي» لمصلحة المشروع المتوافَق عليه بين هذه القوى، ولكن السؤال: هل هذا التوافق كاف لتحويله إلى قانون وإجراء الانتخابات على أساسه؟
يتوقّف إجراء الانتخابات أو عدم إجرائها على موقف 8 آذار من المشروع المتوافق عليه بين 14 آذار وجنبلاط. ففي حال موافقتها يعني طرحه على التصويت وتحويله إلى القانون الانتخابي العتيد، وفي حال رفضها يعني امتناع الرئيس نبيه بري عن عرضه على الهيئة العامة مُتكئاً على رفضه عقد جلسة لإقرار “الأرثوذكسي”، أي الامتناع عن طَرح أيّ مشروع لا يحظى بالتوافق.
وفي هذه الحال يكون المشروع المتوافق عليه أسقَطَ “الأرثوذكسي” وفتحَ الباب أمام احتمالين: البحث عن مشروع آخر توافقي يحظى بموافقة الجميع أو التمديد. وإنّ عدم إدراج الـ60 من ضمن الاحتمالين المذكورين سَبَبه الإلغاء الحتمي لنتائج الانتخابات في حال إتمامها من دون تشكيل هيئة الإشراف على الانتخابات، هذه المادة التي تمسِك بها 8 آذار عبر أكثريتها الوزارية، والتي تجعل الـ60 بحُكم المُلغى.
وبما أنّ الاتفاق على مشروع يحظى بتوافق الجميع هو شبه مستحيل، فهذا يعني ترجيح كفّة التمديد في ظلّ تساؤل عن الأسباب التي دفعت “حزب الله” إلى التريّث في طرح “الأرثوذكسي” على التصويت طالما أنه يؤمّن له الأكثرية النيابية؟ والجواب يتراوح بين رفضه إعطاء المسيحيين، فعلاً لا قولاً، المناصفة الحقيقية، وبين حرصه على عدم استفزاز حليفَيه: جنبلاط درزياً وميقاتي سنياً. وبالتالي، عجزه عن استثمار فوزه حكومياً لغياب الغطاءين السني والدرزي.
وكلّ ذلك يدلّ على أن الهدف الأساس للحزب، من البداية إلى النهاية، هو التمديد لمجلس النواب. هذا التمديد الذي يضمن له استمرار “الستاتيكو” القائم بعيداً عن أيّ مفاجآت انتخابية في هذه الدائرة أو تلك، أو تَبدّل في موقف ميقاتي-جنبلاط نتيجة ضغوط عربية ومداخلات دولية، إذ إنه غير مستعد في ظلّ معاركه العسكرية في سوريا لإدارة معركة سياسية في الداخل.
ولكن هذا لا يعني أنّ على المعارضة التسليم بهذه النتيجة والذهاب طوعاً نحو التمديد، بينما بإمكانها الاستفادة من الضغط الدولي الذي انطلق متأخراً لإجراء الانتخابات على قاعدة قانون لا يضمن سَلفاً الفوز لأيّ فريق، والذي يندرج تحت عنوان الغموض البنّاء، مُعَوّلة على حرص “حزب الله” مراعاة التوَجّه الدولي وعدم الاصطدام به في هذه اللحظة السياسية .
فإذا كان الخيار بين التمديد أو إجراء انتخابات يُعيد التوازنات نفسها، لا يجب التردّد في الذهاب فوراً نحو الانتخابات وإبعاد كأس الفراغ الدستوري وانعكاسه اقتصادياً وسياسياً ودستورياً على لبنان، خصوصاً أنه من غير الجائز التلاعب بالاستحقاقات الدستورية تحت أيّ عنوان، فضلاً عن أنّ التوازنات الخارجية هي وحدها التي تضع “حزب الله” على طاولة المفاوضات. والدليل أنه تحصّن بين عامَي 2005 و2008 داخل طائفته، وعَطّل عمل الأكثرية. إنما المهم مَنعه عن تأمين الأكثرية من دون جنبلاط.
ويبقى أنه في حال تكَلّلت مساعي المعارضة وجنبلاط بإنتاج مشروع توافقي، تكون 14 آذار نجحت في إثبات قدرتها على التوافق انتخابياً، وليس فقط وطنياً، عبر تحييد الملف الانتخابي والقفز فوقه، قاطعة الطريق بذلك أمام كلّ المراهنين على انهيار عقدها، ورامية الكرة في ملعب خصومها، ومُثبتة انسجام الثنائي “القوّاتي” و”الكتائبي” مع نفسه، والذي أبدى منذ بداية الأزمة استعداده للسّير بأيّ مشروع يَنال الأكثرية النيابية، ويؤمّن صحة التمثيل الفعلية، ويحول دون التمديد والعودة إلى الـ60، خصوصاً أنهما لم يناديا يوماً بمقولة: “الدستور أعطانا 64 نائباً ونريد انتخاب 64”.
