مقياس الدخل القومي القائم يعتبر المؤشر الرئيسي لتطور الاقتصاد الوطني. وبموجب هذا المقياس وبالاستناد الى ارقام مصرف لبنان حول معدلات النمو الحقيقية، شهدنا انخفاضاً ملحوظاً في هذه المعدلات منذ عام 2008 كما هو مبين في الجدول.
السنة النسبة المئوية %
2008 9٫2
2009 8٫5
2010 7
2011 4
2012 2
ويحتسب معدل الدخل الفردي من توزيع الدخل القائم على مجمل عدد اللبنانيين المقيمين، وبما ان معدل زيادة اعداد اللبنانيين يقرب من اثنين في المئة سنوياً، تكون زيادة الدخل عام 2012 غير كافية لتحسين مستوى المعيشة لأنها بالكاد تغطي زيادة عدد اللبنانيين.
خلال السنوات المنقضية منذ تفجر الازمة المالية والاقتصادية العالمية في تشرين الاول 2008، ارتفعت تحويلات اللبنانيين في الخارج الى لبنان وهذه التحويلات مع تأثيرها على دور الاقتصاد تساهم بنسبة 25 – 30 في المئة من حجم الدخل القومي، ولا تزال وتيرتها مستمرة منذ اربع سنوات من دون انخفاض يذكر وعلى رغم محاولات اسرائيل التضييق على اللبنانيين في غرب افريقيا بعدما باتت تسيطر على معاملات الامن العام والجمارك في 14 بلداً في هذه المنطقة. أضف ان اللبنانيين العاملين في منطقة التجارة الحرة الواقعة ما بين البرازيل والارجنتين والبارغواي والذين يبلغ عددهم 75 – 80 الف لبناني يتعرضون لمضايقات من السلطات الاميركية إذ يفترض الاميركيون ان ثمة تحويلات ملحوظة من هذه المنطقة الى “حزب الله”.
والمصدر الثالث لتحويلات اللبنانيين الى لبنان وللاستثمارات المباشرة في لبنان هو مجموعة الدول العربية في الخليج، اضافة الى العراق الذي صار سوقاً بالغة الاهمية للبنانيين في مجالات متعددة منها الاتصالات، والاعمال الإنشائية، وتسويق المنتجات الطبية، والفندقة الخ. والعلاقات مع بلدان الخليج تأزمت الى حد ما بسبب الاحداث في سوريا وتأييد البلدان الخليجية عموماً، وفي ما عدا العراق، المعارضة السورية، بينما اختار لبنان الابتعاد عن المحاباة، ولو رسمياً، علماً بان هنالك أفرقاء لبنانيين واثرياء سوريين يدعمون فريقاً ضد الآخر وينطلقون في نشاطاتهم المساندة عسكرياً او مالياً او تصديرياً من لبنان.
الحرب الاهلية في سوريا كان لها انعكاس سلبي على الصادرات اللبنانية – باستثناء كميات المازوت والبنزين التي تستورد ثم يعاد تصديرها الى سوريا كما بعض الأدوية والمنتجات الغذائية-وعلى تدفق الزوار من الاردن ودول الخليج براً الى لبنان خلال مواسم الصيف، لكن التأثير السلبي الأكبر تمثل في تقوقع الفئات اللبنانية السياسية وامتناعها عن الإقدام على اية مبادرات سياسية او اقتصادية ذات تأثير ايجابي على الوطن في انتظار انجلاء الوضع في سوريا. فالفريق المهيمن على الشأن السياسي هو بالفعل داعم للحكم السوري، ويعتبر ان استجابة مطالب الفريق الآخر من اللبنانيين يضر بموقفهم المتمثل في المراقبة المحمومة. ذلك أن التأكيدات لانقضاء الأحداث في سوريا في غضون أيام او أسابيع وانتصار فريق الحكم صارت من الماضي.
السياسيون في لبنان منشغلون بأمرين، في المكان الاول: تعطيل أي قانون للانتخاب ينال من مواقعهم وسيطرتهم من جهة، والتشويش على مسيرة الحكم السابق استباقاً لأي انتخابات مقبلة، وهذا التشويش يتوسع ليشمل دولاً عربية خليجية يفترض انها تؤازر الفريق الآخر لان موقفها من الحكم السوري سلبي.
مظاهر التريث في الإقدام على مبادرات حيوية، بارزة في خطب اركان الفئات المؤازرة للحكم السوري، ولبنان في أمس الحاجة الى رأب الصدع مع الدول العربية الخليجية سواء لإعادة استقطاب المصطافين والمستثمرين العرب او لانجاز اتفاقات تساعد على انجاز مصانع كافية ووافية لتأمين الكهرباء تعتمد على الغاز كلقيم أساسي يؤدي الى وفورات ملحوظة تختصر جزئياً في مرحلة أولية من العجز الناتج من دعم الكهرباء وبعد انقضاء 30 شهراً يمكن ان تحقق وفورات تسمح بتسديد تكاليف انشاء المحطات الحديثة. ويمكن لبنان أصلا وفي حال انفتاحه بصدق وشفافية على التعاون مع الدول العربية الخليجية، ان يحصل بشروط ميسرة على تمويل مشاريعه الكهربائية.
اكثر ما نحتاج اليه اليوم المبادرة الى انجاز مشاريع الكهرباء وتحسين شبكة الاتصالات وتوسيع وتجهيز مرافق تكرير النفط الخام، وكل هذه المشاريع تحتاج الى استمرار تدفق تحويلات اللبنانيين من الخارج، وخصوصاً من الخليج العربي، واستقطاب الاستثمارات الطويلة المدى التي يرافقها توافر معونات فنية ذات اهمية لتشغيل مرافق تكرير النفط وربما استقبال شحنات من الغاز الطبيعي السائل، تحول الى غاز طبيعي، لتغذية معملي انتاج الكهرباء الحديثين نسبياً في نهر البارد والزهراني.
في المقابل، نشهد هجمة مبرمجة على كل ما يتصل بعمل الفريق الحاكم منذ 1992 وحتى نهاية 2006، واللبناني العادي باتت لديه مضبطة اتهام تسمى الإبراء المستحيل، وطبيعة هذه المضبطة هي انتخابية مئة في المئة، وقد وضعت باللغة الدارجة وبحيث ينتهي كل فصل منها بالسؤال: هل يستفيق الناخبون على الهدر وسوء استغلال السلطة والموارد ويحاسبون في صندوق الاقتراع؟
¶ ¶ ¶
سوف نكتفي، ونحن نؤكد ضرورة تشجيع التحويلات والاستثمارات الى لبنان، بالاشارة الى ثلاثة فصول من كتاب الاتهام تتعلق بما يسمى الانماء المتوازن، والكهرباء، والاصلاح الاداري.
الإنماء المتوازن أهمل كلياً بحسب ادعاءات كتاب الاتهام. فمشاريع المدارس والمصحات والطرق اهملت في مناطق الجنوب والبقاع. والواقع غير ذلك تماماً. فمشاريع الطرق تركزت في الجنوب والبقاع، وعدد المدارس التي أنجزت يفوق حاجات الطلاب. وثمة مدارس في الجنوب والبقاع يفوق عددها بكثير الحاجات الملحة، بل ان بعضها يخصص أستاذاً لكل ثلاثة او اربعة تلامذة، وهذا بالفعل هدر كبير.
والكهرباء التي يعودون الى موضوعها سنة بعد سنة وشهراً بعد شهر، هل يمكن تذكير أصحاب المضبطة بان الكهرباء كانت متوافرة 24/24 ساعة عام 1998 وذلك بعد انجاز فريق الحريري طاقة إضافية بين 1994 و1996 وازت 1020 ميغاوات، واصحاب الادعاءات لم يحققوا انجاز ميغاوات واحد من الطاقة الإضافية. كذلك يتناسى هؤلاء ان وزارة الطاقة منذ 17/4/2003 وحتى تاريخه توالى على إدارتها وزراء يصنفون بانهم من مؤيدي المعارضة، التي باتت تتحكم بشؤون البلد، بدءاً بأيوب حميد، وموريس صحناوي، وبسام يمين، ومحمد فنيش، وألان طابوريان، وانتهاءً بجبران باسيل منذ 9/11/2009.
وهنا نأتي الى بيت القصيد، أي موضوع تنامي الدين العام الى مستوى 58 مليار دولار، والواقع انه 51 ملياراً بعد حسم ودائع الدولة والمؤسسات العامة.
وزراء المعارضة المتحكمة اليوم كانوا مسؤولين منذ 2003 وحتى نهاية 2012 عن تخصيص كهرباء لبنان بـ9٫5 مليارات دولار من الدعم، وحيث اننا لم نخفض اصول الدين العام، لا بد من احتساب فوائد على هذا المبلغ بنسبة ستة في المئة على الاقل لفترة توازي 4٫5 سنوات، أي متوسط السنين التسع الممتدة من 2003 و2012، وتكون حصيلة الفوائد 2٫5 مليار دولار تضاف الى الـ9٫5 مليارات دولار من الدعم للكهرباء، فيكون عجز الكهرباء طوال فترة ادارة فريق المعارضة سابقاً المتحكم حالياً إياها 12٫5 مليار دولار.
تضاف الى هذا المبلغ تكاليف الفوائد البالغة الارتفاع على الدين العام التي نتجت من التمديد للرئيس الياس الهراوي. والتمديد حصل بتشجيع من الحكم السوري الذي كانت قوى المعارضة السابقة والمتحكمة حالياً ولا تزال منضوية تحت لوائه. وبحسب تقديرنا بلغت التكاليف مع فوائدها حتى تاريخه اكثر من ستة مليارات دولار، والنتيجة هي ان ادارة فريق الحريري للبلاد لم تتسبب بدين عام على مستوى 51 مليار دولار (حجم الدين الصافي حالياً) بل هي حركت البلد بمقترضات بلغت 51 ملياراً ناقصة منها 12٫5 ملياراً تكاليف دعم الكهرباء + 6 مليارات تكاليف التمديد للرئيس الهراوي + 7 مليارات عجز سنتي حكم الرئيس الحص (1998-2000) فتكون الحصيلة 25٫5 مليار دولار، أي النصف من الديون المترتبة من الفريق الحاكم سابقاً.
مطلوب من اللبنانيين ان يقارنوا هذا الرقم الذي أنتج لنا الكهرباء 24 ساعة منذ 15 سنة، وأنجز لنا أكثر من 600 مدرسة ومطار مؤهل لاستقبال ستة ملايين مسافر سنوياً، والجامعة اللبنانية والمدارس المهنية، ومستشفى بيروت الحكومي، وشبكة اتصالات أرضية لمليون خط، وأرسى خدمات الهاتف الخليوي، وأنجز الطريق من المطار الى وسط العاصمة، وأعاد إحياء بيروت.
في مقابل ذلك، المعارضون سابقاً والمتحكمون حالياً أنفقوا بل أهدروا 25،5 مليار دولار (أي نصف الدين العام الصافي) حصيلتها لا شيء بل تقهقر على صعيد تجهيزات البنية التحتية والمستويات العلمية والتقنية.
أما الاصلاح الاداري، فقد أصبح التحدي الأساسي الذي لم يحظ بأي اهتمام منذ 1992.