وسط كل تلك الوجوه أرى انطوانيت شاهين. سيدة مناضلة كافحت بالدم والجسد لتنال ما تستحق، الحرية والتكريم. في وجه انطوانيت معاناة كل نساء لبنان. في عينيها الغائرتين في الذكريات الموجعة، دمعة ام الشهيد وحرقة فراقها لابن استشهد لتبكي هي ولكن لتضحك الارض، هذا ثمن الحرية دائما. في قلب انطوانيت، وجع امهات المعتقلين وقهر قهر المجهول الذي غيّبهم واللاعنوان واللاحياة واللاموت لابنائهن. في جسد انطوانيت معالم الاحتلال وعملائه، علامات لا تزول، هي شيء من علامات يسوع، المسمار الحاد الذي نخر اليدين والقدمين وجرح الحربة في القلب، هذا انتصار.
نقول انطوانيت ونعرف ان اكثر من انطوانيت واحدة في لبنان، الالاف، عانين ما عانته وأكثر بعد، وخصوصا اولئك الصامتات الموغلات في وجعهن من دون الاعلان عنه، تلك اللواتي اعتقلن في معتقلات النظام السوري، ولما خرجن لم تلتفت اليهن يد لتمسح دمعة مالحة، ولا حتى كلمة تبلسم جرحا لا يندمل.
هذا لبنان في زمن التنكّر والنكران الدائم. هؤلاء هن اليوم العالمي للمرأة، هؤلاء صنعن للمرأة عرشها وتاجها من دون بريق ولا ثياب ممهورة باسم مصمم عالمي، ولا مجوهرات تلمع من دون ضوء. في لبنان نساء من دون عناوين يسكنّ وجع الاخرين، ويهرعن اليهم كلما دقت ساعة الحاجة. نساء من خلف الاضواء يعملن بصمت الايمان وعمقه، لانتشال اطفال ونساء من بؤس الايام وظروف حياة لا ترحم أحيانا.
كل هؤلاء يعشن يوميا يومهن العالمي، وباسم هؤلاء جميعا نالت انطوانيت شاهين تكريما خاصا في فرنسا، تقديرا لتضحياتها في سنوات اعتقالها ظلما، وبالتالي لنضالها في مجال حقوق الانسان منذ سنوات بعد تحريرها من الاسر.
في فرنسا تُكرّم انطوانيت شاهين وتنال الاوسمة وتُقام على شرفها الاحتفالات، وفي لبنان وعندما تسأل السجّان وآمره وعهده، الذي اعتقلها وعذّبها وحاول النيل من كرامتها، تسأله عن انطوانيت، يقلب الشفتين ويسأل: “ومن تكون تلك؟!” وحتى اليوم لم يسأل مسؤول رسمي واحد عن انطوانيت شاهين وما تمثله وما تفعله، ولا ما يفعله أمثالها من النساء. في بلادي المناضلات الحقيقيات مضطهدات وربما ملعونات أيضا…
في المفكرة العالمية، 8 آذار هو اليوم العالمي للمرأة. لا بأس، لكن لا اظن انها تحتاج الى تحديد يوم عالمي لها لنعرف معنى الحياة معها. هي الحياة. يومها هو كل يوم وخصوصا نساء لبنان. الى اللواتي تقفن أمام مبنى الاسكوا منتظرات خبرا عن مفقود في المعتقلات السورية، الى اللواتي تلقين الصباح على صورة فيها بقايا من رائحة شهيد، الى اللواتي يزرعن البسمة على خد مريض محتاج أو منهك من عجزه أمام هول الحياة، الى كل مناضلة تحمل تاء التأنيث لتجعل من صفة النساء علامة للكرامة والانوثة، الى كل رجل يمسك بتاء التأنيث ليجعلها رفيقة الحب وتاج الحياة وعرش الشعاع، هذا ليس يومهن العالمي، هن العالم ولا حاجة لاسرهن في يوم…
