لم يشهد لبنان إنحداراً في السياسة، خلال تاريخه الحديث والمعاصر ، كما يشهد اليوم.
هبوط مزدوج في الغاية والوسيلة، في الأهداف والخطاب، في المعنى والمبنى ، في الفكرة والتعبير.
ويبلغ هذا الهبوط حالة دراماتيكيّة، حين يظهر بشكله الحاد في بعض البيئة المسيحيّة ، التي تميّزت عبر الزمن ، بمستوى ثقافي ومقاربة حضاريّة، وبكثير من النبل والأخلاق في التعامل السياسي والإجتماعي .
ولا نبالغ إذا قلنا إنّ هذا المستوى بدأ بالإنحدار، منذ قُيّض لما يُعرف ب ” العونيّة ” أن تقتحم العمل السياسي وتتحمّل المسؤوليّة في السلطة والمؤسّسات والإدارات.
فقد شهدنا تفاقماً في حدّة التصرّف والتعبير والتدبير معاً، إلى أن بلغ الأمر راهناً حالة مَرَضيّة كاملة تهدّد النسيج اللبناني عموماً، والمرتكزات المسيحيّة خصوصاً. وقد سبق وكثّفنا هذه المرتكزات في خمسة : الكنيسة، السياسة، الثقافة، الإقتصاد، والعائلة أو الخلايا الأُولى المكوّنة للمجتمع.
لعلّ القلائل يُدركون الآن خطورة الخطاب الذي يصفع به عون وورثته المرتكزات والقيم والرسالة المسيحيّة، وكم يؤذي علاقة المسيحيّين مع الإمتداد المسلم حولهم، في لبنان والمنطقة، وكم يعرّضهم لنزاعات وانتقامات يسعى عقلاؤهم إلى تفاديها واحتوائها.
ولم تنحسر بعد موجة الإستياء من تصريحاته ضدّ دول الخليج ، وضدّ رموز ووجوه وتاريخ وشهداء، وحتّى ضرائح مسلمين.
لكنّ تصاعد الشحن الطائفي في هذا الخطاب، خلال الأيام الأخيرة ، إلى درجة غير مسبوقة وغير معقولة، تحت حجّة الدفاع عن حقوق المسيحيّين ونبش تاريخ ” السطو ” تماماً كنبش القبور، يوجب يقظة وعي إستثنائيّة لدى رعاة السياسة والكنيسة لوقف هذا التدهور المريع.
إنّ أيّ عاقل يعرف أنّ عون ليس أشدّ حرصاً على المسيحيّين من بكركي والمراكز المسيحيّة الأخرى، ولا من الأحزاب المسيحيّة والعائلات العريقة ، ولا من رئيس الجمهوريّة، ولا من قادة الرأي والمثقّفين والمتنوّرين.
لكنّه، وحده، يرفع عقيرته بصراخ عالٍ وأسلوب إستفزازي يستنفر عصبيّة من لا عصبيّة عنده ، ويدفع المعتدلين المسلمين إلى الردّ ، ويبرّر للمتطرّفين الغلو في التطرّف.
إذا كان عون مكلّفاً تكليفاً ” شرعيّاً ” ببثّ التحريض وإثارة الحقد والفتنة تحت شعار حقوق المسيحيّين، فإنّ على المرجعيّات الروحيّة والسياسيّة أن تبادر بسرعة إلى وضع الأمور في نصابها ، ووضع حدّ لهذا الاستخدام المقيت للحساسيّات المذهبيّة والطائفيّة.
على الأقل ، عليها تطبيق ما يأخذه عون نفسه على المرجعيّات الإسلاميّة أنّها لا تدين علناً مواقف بعض الأصوات المتطرّفة.
فلتبادر المرجعيّات المسيحيّة إلى استنكار اللغة البغيضة التي يزايد ويتاجر بها عون حول حقوق المسيحيّين، ليس لإنقاذه من ورطته، بل لإنقاذ الحالة المسيحيّة وتحصين المسيحيّين في غمرة التطوّرات الصعبة . إذ لا فرق عمليّاً بين ما يقوله وما نسمعه من رجل ساذج متعصّب وجاهل، وبين ما فعله القسّ جونز أو رسّامو الكاريكاتور: نكء العصبيّات. بل لا فرق بينه وبين التكفيريّين في الخطاب والنتيجة.
إنّ تلاقي هذه المرجعيّات على مشروع الإنتخاب المذهبي ، كمنطلق ، لا يجوز أن يحوّلها إلى شيطان أخرس ساكت عن الحقّ: عون وبطانته هائجان على المنابر بأخطر سُعار طائفي، ظنّاً أنّها وسيلة سهلة لاستجداء الشعبيّة، والآخرون ساكتون خشية رميهم بتهمة التخاذل عن حقوق المسيحيّين!
لم تَعُدْ المسألة تحتمل ترف التطنيش السياسي، أو المناورة ، أوالتقيّة، أو الخوف على مقعد.
ولم يَعُدْ ” الأرثوذكسي ” مادّة صالحة للكسب الشعبي والإنتخابي . أصابه العلك والإهتراء . أدّى ” وظيفته الجليلة ” وأُحيل إلى التقاعد .
وقد أدرك معظم مؤيّديه هذه الحقيقة ، وهم يعملون على هديها .
وحده عون ، سيظلّ يعلك ما لا طعْمَ له . فهي آخر معاركه . فرغت قبّعته وأكمامه من الأرانب التي زوّده بها المشغّل . ولم يبقَ في الجعبة إلاّ جثّة هذا الأرنب الأخير .
الآخرون يبحثون عن المشترَكات في القانون والحياة معاً ، وعن البدائل العقلانيّة للإنغلاق ، وهو مستنفر وراء متراسه الوهمي الساقط حتماً ، قبل أن يغادره إلى أقرب مكان يقبل لجوءه .
وسيبقى وحيداً … ويندم .