#adsense

فيدرالية..!

حجم الخط
 

يعكس أداء وزير الخارجية اللبناني في ذروته، نمطاً انقسامياً يتعدّى الشأن السياسي ليصل إلى المسلّمات الدستورية التي يُفترض أن يُقال إنّها وطنية عامة جامعة بالرضى وليس بالإكراه.

وجه الخطورة الأوّل ليس في ما قاله ويقوله عن سوريا وغيرها.. وليس في تخطّيه صلاحياته. ولا في اختزاله سياسة لبنان الخارجية على هواه. ولا في تمنّعه عن التزام السياسة المعلنة للحكومة، وإنّما في اقتناعه التام بأنّه لم يخطئ في شيء. وأنّه، بكل براءة، عبّر ويعبّر عن رأي “رسمي” آخر في الفيدرالية اللبنانية!

أي، أنّ الشارع صار في الشرعيّة. والالتباس المضني الذي كان قائماً على الدوام، خلال سنين الحرب المشتعلة سابقاً، وتلك الباردة راهناً، والمتعلق بكيان المؤسسات الدستورية، وتوافق الحد الأدنى، على اعتبارها خارج سياق الانقسام الأهلي أو فوقه، بكل تفاصيله، ذلك الالتباس تناثر مع أهل الانقلاب وحكومتهم! وصارت الأمور أوضح وأنصع: صار كل وزير معنياً بمرجعيّته السياسية والطائفية وليس بالكتاب الدستوري ولا بنصوصه ولا بأعرافه. يعني، حتى في الشكل الديكوري الوظيفي، صارت الأمور في مكان آخر.

وبدقّة أكثر. يتصرّف صانعو الانقلاب الأساسيون، أي “حزب الله” وتوابعه، وبدأب مشهود على ترجمة سطوتهم ونفوذهم وسياستهم الخاصة، في “الشأن الأخير” الذي هو افتراضاً وواقعياً، يعبّر عن مصلحتهم ومصلحة غيرهم من اللبنانيين في الإجمال.. وصرنا تبعاً لذلك أمام تماهٍ تام بين الطائفي والسياسي وضاعت المساحة الديكورية الفاصلة بين الشأنين.
ولو كانت الأمور ديكوراً فحسب، لهانت!

العرف السائد هو أنّ الوزير الحزبي عندما يأتي إلى الوزارة يترك حزبه في البيت ويتشارك مع نظرائه ممثلي الأحزاب الأخرى في صنع قرار “رسمي” جامع تحت سقف دستوري توافق الجميع على الانضواء تحته والقبول بشروطه والعمل بأحكامه. وعندما يأتي الوزير المعني وفق “كوتا” الطوائف، يأتي ليشارك في قرار “رسمي” عام يتخذه مع سائر نظرائه ممثلي الطوائف الأخرى. وليس ليقرّر تبعاً لهويّته الخاصة، ما يجب وما لا يجب، وما هو الصحّ وما هو الخطأ!

“وظيفة” الدولة بهذا المعنى، هي التي أبقت الانقسام السياسي والطائفي والمذهبي اللبناني معقولاً إلى حدّ ما. وأبقت الشرعيّة صمّام أمان إزاء الخارج قبل الداخل، لكن مع عدنان منصور، و”حزب الله” وصلنا إلى حالة مختلفة تماماً.

والأخطر، أنّ وزير الخارجية الحالي يعرف تماماً شروط وظيفته. ويعرف تماماً آلية عمل المؤسسات الدستورية. ويعرف قبل ذلك، أنّ الدولة ليست حزباً ولا طائفة، وإنّما هي حاصل جمع كل ذلك. ومع هذا فتح على حسابه! لكن، ليس لأنّه مضطر بل لأنّه “مقتنع” تماماً بأنّ ما يفعله هو “حقّه الطبيعي” وفقاً للمناخ الانقلابي الذي قاده ويقوده “حزب الله” وتوابعه في المؤسسات الرسمية وفي الاجتماع الأهلي اللبناني. والذي يقول عملياً، ويُضمر نظرياً، انّ الدولة كما نعرفها انتهت. وصرنا أمام أمر واقع آخر هو أقرب ما يكون إلى فيدرالية طوائفية متناحرة، حتى تحت سقف الشعار السياسي الواحد أو الحكومة الواحدة.. وأنّ الأقوى بينها هو صاحب الأمر!

وبهذا المعنى لم يخطئ عدنان منصور في ممارسة صلاحياته الفيدرالية! وإنّما أخطأ الآخرون ويخطئون في فهم المعنى التام للانقلاب الحاصل في لبنان ولتبعاته الكارثية التي لم نرَ بعد سوى قشورها!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل