#adsense

الجنرال فكرٌ وثورة

حجم الخط

يعتبر علم النفس المعرفي أنّ التفكير هو أعلى الوظائف الإدراكيّة، لأنّه يحيط بكلّ العمليّات الذّهنيّة التي يؤدّيها العقل، ويقيم على أساسها مبادئ نهجه الفكري. والتفكير نوعان، أوّلهما التفكير المنطقي الناقد الذي يستند الى التعليل والتدليل ببيّنات مقنعة، للوصول الى استنتاجات أو مواقف لا لبس  فيها، وهذا هو التفكير المنظّم المنهجي. وثانيهما التفكير الهوائي أو تفسير الأمور وفقاً لما يرتاح إليه صاحبه أو يألفه، بمعزل عن مسارات التفكير العلمي الموضوعي، فيصبح بالتالي الحكم على الأشياء نوعاً من التّخيل أو انغماساً في أحلام اليقظة، بعيداً عن التفكير المستنير.

أمّا الثورة، فهي فعل شعبي احتجاجيّ يهدف الى إحداث تغيير جذريّ في بنية النّظام السّائد، أو هي حال وعي ونضج تنطلق لحماية قيمة أو مجموعة من القيم تعرّضت للإنتهاك. وهي بذلك  تختلف عن الإنقلاب الذي هو فعل منظَّم هدفه السيطرة على السلطة من خلال إزاحة الممسكين بها، للتحكّم بزمامها. وإذا كانت فئات الشّعب تتولّى المبادرة في المواجهة للوصول بالثورة الى تأسيس مرحلة تحترم الحريّة والعدالة وكرامة الإنسان، فإنّ مسار الإنقلاب تخطّط له قيادة توزّع الأدوار وتحدّد مسبقاً المراكز والأهداف، بمعزل عن حتميّة الإصلاح الإيجابي.

بعد المقدّمة التي وضّحت مفهومي الفكر والثورة، أين يقف الجنرال الذي يحمل كلامه دائماً دهشة وابتكاراً لا يمكن توقّعهما؟

في الإطلالة الأخيرة، كما في سائر الإطلالات، نجدنا أمام رجلٍ يخفي التباسات وفيرة، فكلّ هبّة من هبّاته مرشّحة لأن توصف بالثورة، وهبّاته كثيرة، وتطرح تغييراً شاملاً في البنى والوسائل، لكنّنا لا نعرف مهابّ الريح فيها والى أين ستتّجه، هل تقودنا لثورة فعليّة أم تروّج لإنقلاب معروف منحاه ومتوقّع مرماه؟ فالثورة “الجنراليّة” إطلالتها نهضويّة أي نشدان للإصلاح وإعمال لموازين الحقّ والعدل، لكنّها تستبطن انقلاباً بالغ الخطورة . فإذا كان “العقل” هو قوام الثورة، بمعنى الرويّة والوعي، فإنّ الهبّة الغاضبة لن تقود إلاّ الى الفوضى.

يقول العهد الجديد: “إنّ الغضب يقضي حتى على الّلبيب”. وإذا كانت الثورة قوّة ديناميكيّة ترسم علاقات جديدة بين مكوّنات المجتمع، أوليس من الضّروري اتّفاق هذه المكوّنات على استراتيجيّة واحدة وواضحة تزيل الكوابيس، أو تبعد توطئة الإجهاز على مشروع الثورة برمّته؟ وهل خطاب الجنرال “الفكري” الخالي من عبارات التّهديد والتّحقير والإستفزاز، يمكن اعتباره شرارة كفاحيّة لحراك ثوريّ يحلم به النّاس، أو هو إحالة هذا الحلم على التّقاعد بالدّعوة لإنقلاب يستبدل الفساد والظّلم بحكم الطّواغيت، والذي ينهي بالكامل قدرة الدولة على امتلاك سيادتها؟

إنّ أفكار الجنرال النيّرة مدّت سلاسل حول عنق الثّورة الموعودة، ولم تزح الكتلة الصمّاء عن نظام الخوف. لقد واكب الجنرال نبض الشّارع الغاضب، بالخطاب العاطفي الكلامي، وحرّك طواقم الحشود بإيقاظ  الغرائز وليس بإنجازاته التي لم تكن  إلاّ حركة تصحيحيّة لما ارتُكب من فساد توخّاه الجنرال، بفكره الثّوريّ، ليستنهض القلق ويعلن إنشاء مؤسّسة الأمّة ضدّ الفساد. ولكن هل يُستخرج العسل من المرارة؟

وبعد، يرشد علم النفس الإدراكي أصحاب الفكر الهوائي الى تقريب المسافة بين العقل والصّوت، وإبعادها بين الصّوت واللسان، فيبدو للمستكشف أنّ هذه النّصيحة تعني، عمليّاً، تركيب رقبة طويلة “زرافيّة” يعبر الكلام فيها على مهل، قاطعاً غربالاً  تلو غربال، ليضمحلّ ويتبخّر في أغلب الحالات، قبل أن يصل الى خواتيمه فوق عضلة اللسان، فيفضح أو ينال الثّناء .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل