#adsense

قــام قـداســةُ الـبــابــا… وذهــب (بقلم الأب هادي محفوظ)

حجم الخط

كتب الأب هادي محفوظ – رئيس جامعة الروح القدس – الكسليك

“قام قداسة البابا … وذهب”. فاجأ البابا بنديكتوس السادس عشر العالمَ أجمع باعلانه، في 11 شباط الفائت، عن “ذهابه”، في 28 منه. نزل على قداسة البابا وابل من التساؤلات والتحليلات عن فحوى هذا القرار، خاصّة أنّ عدد البابوات الذين استقالوا، على مرّ التاريخ، لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة. وأدّت حمّى التساؤلات غالبًا إلى ضياع في التوجّه الفكري وفي طرح الموضوع. فالمراد الأول من هذا المقال هو تظهير مبدأ الجواب على التساؤلات المشروعة عن استقالة البابا، لأنني أعتقد أنّ الكثيرين التقطوا أمورًا وأحداثًا محيطةً بحياة البابا وبخدمته وبإدارته، فوضعوها أمام شخصه ولوّنوه بها، بحيث إنّها حجبتْه. هي حياته، وهي هويّته، وهي تعاليمه التي تكشف معنى هذا الحدث الجلل.

صحيح أنّه “قام” و”ذهب”. لكنّ “ذهاب” الاستقالة يأتي في خطّ “ذهابات” عديدة في حياة بنديكتوس السادس عشر. هو من غاص في كلمة الله فتأمّلها وعاش منها. قرأ إنجيل مرقس، فرأى كيف أنّ فعل «ذهاب» الربّ هو لتتميم الرسالة، وفقًا لإرادة الله، وأنّه يتمّ على ضوء قيامة الربّ يسوع التي يشير اليها الإنجيليّ من خلال فعل «قام» (مرقس 1: 35 – 38؛ 14: 42).

على غرار معلّمه الإلهيّ، «ذهب» جوزف راتزينغر، أي البابا بنديكتوس السادس عشر، مرّات عديدة، بعد الصلاة، من وإلى حالات معيّنة، تحقيقًا لإرادة الله. هو الذي لم يغلق حياته على أفق الأرض، بل فتحها على آفاق القيامة. فنعرف أنّه أتى الأرض يوم سبت النور، على مشارف عيد القيامة، سنة 1927، من أب وأمّ، اسمهما يوسف ومريم. و«ذهب» من البيت الوالديّ إلى الحياة الإكليريكيّة والكهنوتيّة، تلبية لنداء الله. ثمّ أضحى أستاذًا للّاهوت. وبعدها، «ذهب» إلى الدعوة الأسقفيّة، فالكارديناليّة. ومن ثمّ، «ذهب» من المانيا إلى الفاتيكان، تلبية لنداء الله من خلال إرادة البابا الطوباوي يوحنا بولس الثاني، ليصبح رئيس مجمع عقيدة الإيمان. وعندما حان وقت الاستقالة بسبب العمر، وفق القانون الكنسيّ، ولماّ أصرّ البابا الطوباويّ على إبقائه في منصبه، غيّر وجهته عن الاستقالة و«ذهب» إلى الأمام في الخدمة الموكلة إليه. وفي الثامنة والسبعين من العمر، أفصح أمام مساعديه عن توقه الشديد إلى السكينة والسلام، ولكنّه «ذهب» من هذه الحالة إلى الخدمة البابويّة التي تعجّ نشاطًا وصخبًا رسوليًّا، وقال: «من الواضح أنّ ارادة الله مختلفة عن رغبتي. فالآن تبدأ مرحلة جديدة ومختلفة. لكنّ الله سوف يكون معي». إذًا، لقد قام بكلّ هذه «الذهابات»، تلبيةً لنداء الله، بعد صلاة ومحاكاة طويلة مع الساكن في الأعالي. لقد «قام» بهذه «الذهابات»، على ضوء قيامة الربّ الممجّد إلى الأبد، وليس تحت تأثير إنسان أو أمر طارئ حوله.

أليس من السهل، إذًا، قراءة «ذهاب شباط 2013»، أيضًا تلبيةً لنداء الله، بعد الصلاة، في السياق عينه؟ ففي إعلان الاستقالة، في 11 شباط، يقول قداسة البابا إنّه اتخذ هذا القرار الحرّ، بعد فحـص ضمير عميق أمام اللـه، ووصـل اليه لأنّ قـواه لم تعد تسـمح له بالقيام بمهام السدّة البطرسيّة. وقال، قُبيل «ذهابه»، الأحد 24 شباط: «أشعر أنّ كلمة الله هذه (انجيل التجلّي) موجّهة بشكل خاص إليّ، في هذا الوقت من حياتي. إنّ الربّ يدعوني إلى الصعود إلى الجبل، إلى أن أنصرف اكثر إلى الصلاة والتأمل. لكنّ هذا لا يعني انّني اترك الكنيسة، بل، بالعكس، إذا كان الله يطلب منّي ذلك، فلكي أستطيع، تحديدًا، متابعة خدمة الكنيسة بالتكرّس ذاته وبالمحبة ذاتها اللذين حاولت خدمتها بهما حتى الآن، ولكن بطريقة ملائمة لعمري ولقواي». فالاستقالة هي حركة نبويّة، مـثل موسى الصاعد إلى الجبل ليسمع كلمة الله، ومثل يسوع مع تلامـذته الثلاثة على جبل طابور يتـجلّى، وهي تـتمّ تلبيةً لنـداء الله. إنّ هذه الأفكـار تُسقط عن «الذهاب» الأخير عنوان «ذهاب الاستقالة» لمصلحة عنوان «الذهاب النبويّ إلى الجبل، جبل الصلاة والتأمّل والكتابة»، تلبيةً لإرادة الله.

هذا المستجد في شباط 2013 هو صـدًى لما عبّر عنه الـبابا، قـبل ثلاث سنوات. فالتفكير بمفهوم استـقالة أيّ بابا لـيس وليـدَ ساعته، أو هو نتيجة ضغط انسان أو ظرف على قداسته. فعندما سأله الصحافي بيتر سيـفالد في كتـاب «نور العالم»، سنـة 2010: «إنّ أكثر الحالات (مشاكل الكهنة المعروفة مؤخّرًا) تعـود إلى عشرات السنين إلى الوراء. ولكنها تثقل كاهل حبريّتكم. فهل فكّرتم بالاستقالة؟»، أجاب قداسة البابا: «عندما يشتدّ الخطر، لا يجب الهروب. لذا، بالتأكيد، ليس هذا هو الوقت الملائم للاستـقالة. ففي اوقات مثل هذا الوقت، تجب المقاومة وتخـطي الوضـع الصـعب القـائم …». فعاد الصحافي وسأل: «إذًا، هل مـن الممكن التـفكير بحالة تعتبرونها ملائمةً لكي يستقـيل البابا؟» وأجاب قداسـته: «نعم. عندما يصل البابا إلى قناعة واضحة أنّه لم يعد قادرًا، جسديًّا، أو نفسيًّا، أو عقليًّا، على اتمام الخدمة الموكلة إليه، عندها، يستطيع، وفي بعض الحالات، عليه، أن يستقيل». إنّه موقف يعبّر عن شجاعة كبيرة.

ويتكلّم قداسة البابا، في إعلان الاستقالة، عن جسامة فعله. ولكنّه غير قلق على الكنيسة. ففي كتابه: «الكنيسة» (2008)، يعتبر قداسته أنّ النصّ المحوريّ عن البابويّة وعن كرسيّ بطرس في الإنجيل الأوّل (متى 16: 17 – 19) يتضمّن وعدًا إلهيًّا، موجّهًا إلى بطرس، ولكنّه يشمل الشعب كلّه، وهو يمتدّ إلى كلّ الأزمان. ويتابع قداسته: «إنّ قرارات بطرس الكنسيّة هي على الأرض وفي السماء، أي إنّ لها قيمة أيضًا أمام الله». من هنا الإيمان الكاثوليكيّ في الكنيسة، بأنّ كلّ قرار صادر عن البابا، خليفة بطرس، هو صحيح وحقّ. من هذا المنطلق بالذات، تبنّى الكثيرون في الكنيسة موقف قداسته بالاستقالة، فهذا قرار حرّ وصادر عنه، وهو مطابق للاهوت الكنيسة الذي ينعكس في قانونها المتكلّم عن استقالةٍ محتملةٍ للبابا (مادة 332، رقم 2). هذا الوعد إلى بطرس هو في وسط الإنجيل الأوّل، أي في قلبه، إنّه وعد الربّ الذي، وفق بداية الإنجيل ذاته ونهايته، هو عمّانوئيل، أي الله معنا (متى 1: 23)، والربّ القائم الذي سوف يبقى مع كنيسته حتى انقضاء الدهور (متى 28: 20). فالله يحفظ الكنيسة بشكل سريّ ويبقى فيها، وهذه الحقيقة هي أسمى من تكاثر عـدد المؤمنين أو تناقصه، وأسمى من الأشخاص والمؤسسات الموجودة في الكنيسة، وأسمى من أيّ محسوس فيها، وهي تعلو المشاكل التي قد تعـصف بها. ولأنّه يعي بُعْدَ هذا الوعد الإلهيّ ذي القيمة الدائمة، قال البابا، بتواضع يثير الإعجاب والاحترام وبعمق لاهوتيّ قلّ نظيره، إذ توجّه إلى الكرادلة المجتمعين لوداعه، في 28 شباط الفائت: «بينكم، في مجمع الكرادلة، يوجد البابا العتيد الذي، منذ اليوم، أعده باحترامي وطاعتي غير المشروطين».

هذه الاعتبارات جميعها، تبيّن البابا بنديكتوس مأخوذًا بشغف الله والكنيسة، كما قال أيضًا في خطابه الأخير هذا أمام الكرادلة. إنّه وجه مشرق من تاريخ الكنيسة، إنّه المرتفع بتواضعه العميق أمام الله وأمام الكنيسة.

حين نفقه هذا الجانب من الأمور، نجعل مفهومنا لهذا الشخص ينسكب على اسئلتنا، المشروعة، فينيرها أو ينير غالبيّتها، فلا نحمل الأسئلة إلى أمام وجهنا بحيث تحجب عنّا بهاء الشخص الذي تأمّلنا فيه وفي مسيرته.

في العودة إلى الحقائق المعلنة في هذا المقال، نتيقّن أنّ «ذهابات» بنديكتوس السادس عشر تنخرط في تاريخ طويل لا يحدّ ذاته في الماضي والحاضر. إنّه تاريخ الكنيسة المبنيّة على الصخر والتي لن تقوى عليها ابواب الجحيم إلى الأبد (متى 16: 18). فلقد بنى البابا الفخريّ تاريخه على «الذهاب» على دروب الحياة، تلبيةً لنداء الله، كما فعل كثير من اسلافه القديسين، في نوع آخر من «الذهابات»، وفق إرادة الله. و«ذهابه» منذ بضعة أيّام جعل الجناح البابويّ في الفاتيكان مقفلاً والنافذة التي يُطلُّ منها المتشحُ بثوب البياض النقيّ مغلقةً، فها نحن بانتظار انتخابِ خلفٍ له. ولا شكّ في أنّ هذا الأخير، أي البابا العتيد، لبّى نداء الربّ في «ذهابات» عديدة سابقة وأنّه، على ضوء نور «القيامة»، سوف «يذهب» لإتمام الرسالة الجديدة الموكلة اليه. فنقول أيضًا عن ذاك الآتي قريبًا، ولكن، هذه المرّة، ليس انطلاقًا من استقالةٍ بل فرحًا ببدايةِ الرسالة البابوية: «قام قداسة البابا … وذهب».

المصدر:
السفير

خبر عاجل