ما عَدا رَفع الأيدي في جلسة اللجان المشتركة، لم يبذل “حزب الله” أيّ جهد في الدفاع عن قانون “اللقاء الأرثوذكسي”. ماكينته الإعلامية اكتفَت بنقل المواقف، وغابَت مطالعات نوابه وشخصياته المقرّبة عن شرح فوائد هذا القانون، وتصدير الفتاوى الوطنية الواجبة لإقراره.
حتى السيّد حسن نصرالله، وهو مُحبّ للتحاليل الترويجية، بَخُلَ علينا بالتنظير “للأرثوذكسي”، ولم يبخل برموش العيون. عندما تَمنَحُ رموش العيون، وهي من أغلى عَطاءات الإنسان، فهذا يعني أنك تَملك من الحجج والموجبات ما يفيض مثلاً على حججك في مسألة “الشهود الزور”.
عند “حزب الله”، بدأ “الأرثوذكسي” حيث انتهى “الشهود الزور”. فقاعة صابون. لا سعد الحريري ولا وليد جنبلاط استَحقّا فَضح استهدافهما “المقاومة” بمعارضتهما مشروع القانون، ولا حلفاء “الخندق الواحد”، من قوميّين سوريّين وبعثيّين، تمّ الوقوف على خاطرهم.
لو كان “حزب الله” مقتنعاً بالحد الادنى “بالأرثوذكسي”، لكانَ بَذلَ ما بذله حزبا “القوات اللبنانية” و”الكتائب” في الدفاع عن موقفهما ضمن صفوف حلفائهما. مساكين القوميون السوريون والبعثيون، يعاملهم “حزب الله” كما يعاملهم نظام آل الأسد. فصيل استخباراتي، يجب أن يشارك في العمليات الأمنية، (7 ايار مثلاً)، ويبذل الروح والسمعة، من دون أن يُكافأ “برمش العَين”.
يتصرف “حزب الله” من منطلق الحسابات والأوراق في لعبة السياسة، ولعبة الامم. ولكنه على طريقة أمينه العام السيّد حسن نصرالله، يريد أن يبرهن المعادلات الخاطئة باعتماد التحاليل المنطقية. السيّد نصرالله يَضع الجواب ثم يبحث له عن سؤال، أو الأصح، يُرَكِّبُ له “مَسألة”.
لو ركبت السيارة، والتزمتَ كلّ قواعد نظام السير وآدابه، وانطلقت نحو الشمال، مستحيل أن تصِل الى الجنوب لمجرّد أنك لم ترتكب أيّ مخالفة مرورية! أو لأنّ سيارتك رباعية الدفع ومدفوعة من جَيب إيران. وحتى لا نغرق في الأمثلة الكثيرة في يوميات السياسة اللبنانية التي يريد “حزب الله” أن يغطي فيها التضليل بمنطق التحليل، لنذهب مباشرة الى جوهر وجود هذا الحزب.
يدينُ “حزب الله” بوجوده لفكرتين مركزيتين: إلغاء اسرائيل وإقامة الجمهورية الاسلامية في لبنان. وليظهر بمظهر القارئ الجيّد لموازين القوى، تنازل “حزب الله” عن إبادة اسرائيل لمصلحة “مقاومتها”، وعلَّقَ إقامة “الجمهورية الاسلامية” الى حين يقتنع بها “طَوعاً” المسيحيون والسُنة والدروز! هاتان الفكرتان إذا تخلّى عنهما “حزب الله” نَسفَ مُبرر وجوده. فالأحزاب الشمولية خَشبيّة الافكار، والخشب إذا زَادَت زاوية طَويه انكسر.
الأحزاب المادية يمكنها أن تنعطف عقائدياً (الصين مثالاً)، ولكن في النظام الديني ما هو أدنى من “جمهورية إسلامية” هو غير ديني وغير شرعي!
في ضوء ما تقدّم، وبعد نحو ثلاثين سنة، أين “حزب الله” من اسرائيل والجمهورية الاسلامية؟ تراجعت عقيدة إلغاء الكيان الصهيوني الى موقع “مقاومتها”. وحتى “المقاومة” ترَنّحَت بين “الممانعة” و”الردع”.
هكذا خسر “حزب الله” نصف رئته العقائدية. فحتى مقاومته الاسلامية ليست موضع إجماع لبناني او عربي. ومن يَجهَد لتسويق جدوى المقاومة يعني ضُمناً أنه أقرَّ باستحالة إلغاء اسرائيل. في أدبيات “حزب الله” المسألة مسألة زمن. سيأتي يوم وتزول اسرائيل. وهذا كلام صحيح.
ولكن من قال إنها ستزول على يَد فِكر زائل؟! اليوم لا يستطيع “حزب الله” أن يتحرك بحرية، وراء نهر الليطاني وما بعده، ولكنّ صاروخاً يصِل الى ما بعد حيفا، يمكنه أن يَستُر كلّ المآسي! أمّا المعاصي فهي في النصف الثاني من رِئَة “حزب الله”. لقد قمعت سوريا كل احزاب اليَسار المقاوم في الجنوب، لمصلحة حزب ديني.
لو لم تتدخل سوريا، لربما انكفأت أحزاب اليسار الجنوبي والبقاعي لمصلحة أحزاب “مقاومة شيعية”، ولكن غير دينية. كنّا لربّما سنجِد نبيه بري ما، الى جانب نبيه بري. حزب ينطق بمصلحة الشيعة، رئيسه لا يعتمر عمامة سوداء. كانت الوقائع ستؤدي ربما الى رفيق حريري شيعي او وليد جنبلاط شيعي. مَدنيان يُمثّلان حال الشيعة في السياسة اللبنانية والاقليمية.
ولربما كان سيتحرك الصراع المذهبي. ولكنْ صراع مذهبي بين شخصين يرتديان رَبطتي عنق، لا يمكن أن يصِل الى خطر صراع بين حزب ديني شيعي رئيسه معمّم، وبين تيار سُنّي رئيسه لا يكفِّر المتزوج مدنيّاً. لا يكفي السيّد حسن نصرالله أن يَكظُم غيظه من الشيخ احمد الاسير ليَدرَأ الفتنة. الفتنة أعمق من هذا التضليل. لن يقتنع أبعَد مُسلم سنّي في جزر اندونيسيا بأنّ قتال “حزب الله” في سوريا ليس استهدافاً مذهبياً.
في لبنان، كان المفهوم الشيعي أقرب في وجدانه الى النهج المدني، ولكن كيف استطاع رفيق الحريري، وهو شخص مَدني، أن يجسد وجدان السُنّة، وأن يتزامن صعوده مع حرمان الشيعة من زميل “مدني” لنبيه برّي ليُمثّلا وجدان الشيعة؟ الجواب عند آل الاسد، لأنهم قتلوا اليسار الشيعي، ورسموا لنبيه بري خطوطاً، وحاولوا قتل رفيق الحريري سياسياً، وربما فعلياً.
كيف يقمع نظام يدّعي العلمانية أحزاباً علمانية تقاوم فعلاً اسرائيل لمصلحة حزب ديني؟ الجواب بسيط، يجب ان تبقى الفتنة الى حين إيقاظها. وحزب عقيدته “جمهورية اسلامية” لا يمكنه أن يقاوم الفتنة كما قد يفعل نبيه برّي مع سعد الحريري.
عندما يوافق حزب ديني على قانون انتخابي عنوانه صحة التمثيل المسيحي، فهذا أمر من اثنين: سقوط عقيدة “الجمهورية الاسلامية”، أو تقيّة، أو الاحتمالين معاً! رِئَتا “حزب الله” في ضيق، ومن ضَاق نَفَسه قد يُقْدِمُ على ما لا تُحمَدُ عُقباه!