“لا تشغل البال بماضي الزمان ولا بآتي العيش قبل الأوان
واغنم من الحاضر لذاته فليس في طبع الليالي الأمان”
(رباعيات الخيام بتصرف من أحمد رامي)
في الروايات الموثقة عن العلاقات العلوية – الشيعية في القرن العشرين، حاول ابراهيم آغا الكنج، رئيس الدولة العلوية اثناء الإنتداب الفرنسي وضع تشريع لدولته وبغياب شرع مكتوبة وموثقة للإيمان العلوي، فدفع ببعض المشايخ للذهاب إلى قم والنجف لاستقاء العلوم الشرعية والعودة لتطبيقها في دولته الفتية التي انتهت سنة . كل المعلومات أكدت يومها فشل هذه التجربة بسبب الإختلاف الجذري بين العلوية النصيرية والتشيع الإثني عشري حتى على القواعد الأساسية للإيمان.
في بداية عهد حافظ الأسد، وبعد نكسة مُني بها على المستوى السياسي لفشله في تمرير دستور جديد يغفل فيه دين الرئيس، برز توجه مرعي من قبل السلطة لدعم تشييع العلويين في سوريا ولبنان، وقد قاد هذا التوجه الشيخ حسن الشيرازي الذي وصل سوريا سنة على رأس وفد علمائي بهدف “جلاء الهوية الدينية للعلويين”. وحسب الدراسة فانه التقى مع عدد كبير من شيوخ العلويين ( سورياً و لبنانيين) أدى إلى إصدار بيان في طرابلس في كانون الأول سنة يؤكد انتساب العلويين إلى الإمامية الإثني عشرية الجعفرية. وقد نشط الشيرازي في دعوته وتوسيع قاعدة التشييع من خلال بناء بعض المساجد والحسينيات في الساحل السوري.
وقد كان الشيرازي يرى في سوريا بوابة للعالم العربي ونقطة بداية لنشر أفكاره في باقي أرجاء هذه المنطقة. ولكن ذلك كله لم يكن دون مقاومة، فقد رفض كثيرون من المشايخ العلويين مبدأ “الضم” لاعتبارات مختلفة لها علاقة بالخلاف الإيماني ولأسباب محلية عشائرية وزعمائية.
ماذا يعني ذلك كله؟ الواقع هو أن سوريا مع كونها الحلقة الأهم في تماسك مشروع ولاية الفقيه وتوسعه ليضم أوسع مساحة من العالم الإسلامي، ولكنها في الوقت نفسه الحلقة الأضعف في هذا المشروع لأسباب متعددة. فطبيعة النظام في سوريا لا تتوافق بأي شكل من الأشكال مع النظام الإيراني. ففي حين أن ديكتاتورية آل الأسد تستند إلى عقيدة علمانية قومية عربية، فإن ديكتاتورية ولاية الفقيه تستند إلى عقيدة دينية تخلط بين الخرافة والدين والقومية الفارسية.
وعلى عكس ما هو قائم في العراق ولبنان، حيث هناك مكون عقائدي ديني مستعد لتقبل فكرة ولاية الفقيه من خلال الوجود الشيعي الوازن، فإن عدد الشيعة في سوريا ضئيل نسبياً رغم حملات التشييع المعروفة منذ أربعة عقود هناك، ومن المؤكد هو أن الكثير من العلويين غير متدينين ومن يعرف بالدين لا يمكن أن يرى نفسه في الفكرة الإيمانية نفسها ليس مع الشيعة فقط، بل مع المسلمين بشكل عام. هذا بالطبع خارج مسائل بعض الشعائر والتي تتم ممارستها على أساس التقية في بعض الأحيان، أو على أساس عدم معرفة الخيارات الإيمانية الخاصة في كثير من الأحيان.
إن هذا الواقع جعل من الترابط الجغرافي لمشروع ولاية الفقيه رهينة لوجود نظام في سوريا بمواصفات مماثلة لنظام بشار الأسد. أي نظام ضعيف يعتمد وجوده على توازنات متشعبة ودقيقة، في بلد دون موارد مالية واقتصادية تضعه في موقع المستغني عن الدعم والمساعدات، بالإضافة إلى كونه يستند إلى قاعدة من الفساد على كل المستويات.
هذا الوضع لم يكن نفسه أثناء حكم حافظ الأسد الذي جعل من العلاقة مع نظام ولاية الفقيه جزءاً من التوازن لنظامه في العلاقات الدولية والعربية من دون أن يكون مرهوناً بالكامل لها، ولا حتى لغيرها من المعطيات. بالطبع هذا كله كان في ظل نظام عالمي مختلف ومعطيات، بعضها طارئ وبعضها مزمن، جعلت من الأسد الأب حجر زاوية في توازن إقليمي معقد. أما مع بشار فقد تبدلت الظروف بشكل جذري وأصبح هذا النظام، لاسيما بعد الخروج من لبنان في نيسان ، مرهوناً بنسبة عالية لرغبات الولي الفقيه، على الرغم من أن فرصاً كثيرة فتحت إقليمياً ودولياً لهذا النظام على مدى الخمس سنوات الماضية عجز عن تلقفها لأسباب شتى.
ما هو واقع الأمر اليوم؟
تاريخ الإمبراطوريات، وخصوصا الحديثة منها، يؤكد أن نهايتها تبدأ في مستعمراتها، ويكفي استذكار تجربة نابوليون وهتلر في روسيا وتجربة الإتحاد السوفياتي في أفغانستان.
لذلك لم يكن من قبيل الخطأ أو زلّة لسان قول الشيخ مهدي طالب ان سوريا هي المحافظة في إيران وأن خسارتها أهم من خسارة منطقة الأحواز ذات الأكثرية العربية والتي تحوي معظم مصادر النفط الإيرانية.
الملاحظة الأولى هنا هي أن عدد المحافظات الإيرانية ، ولا يعتقد أحد أن الشيخ مهدي، وهو مسؤول عن موقع مهم في إدارة ولاية الفقيه، أخطأ في العد! فالأرجح أن فرق العد يشمل دولاً عربية أخرى مثل البحرين والكويت والعراق، وربما لبنان، إلا إذا كان يدخل ضمن المحافظة .
الملاحظة الثانية هي مقارنة الأحواز بسوريا، وذلك بناءً فقط على المكون العربي حسبما يبدو، وهذا يؤكد أن العقل الباطن لولاية الفقيه لا يزال يعتبر أن أي منطقة غير فارسية هي منطقة محتلة، مبيناً الطابع العنصري القومي لمشروع الجمهورية الإسلامية.
ما لنا ولذلك كله، رغم أهميته، فالواضح هو أن بشار الأسد قد يكون مستعداً لإجراء تسوية ما في سوريا تؤدي إلى تغيير طبيعة الحكم وذلك في سبيل الإحتفاظ ببعض المكاسب، أو تأخير المحتوم، أو أخذ بعض الشروط والضمانات. ولكن المؤكد هو أن نظام ولاية الفقيه غير قابل بالمطلق لإجراء أي تسوية لا تتضمن نظاماً متطابقاً مع نسخة بشار الأسد، أي نظام غير قادر حتى على المناورة إلا ضمن الحدود التي رسمت له من قبل الولي الفقيه، وهذا يبدو مستحيلاً في ظل أي واقع سينشأ لاحقاً في سوريا.
كما أن ولاية الفقيه لا يمكنها الإكتفاء بكيان علوي على الساحل السوري لأن التواصل الجغرافي مع لبنان، وبالتالي التواصل الجغرافي للهلال المذهبي، يصبح مهدداً أو مقطوعاً، وهذا هو سبب دخول حزب الله المعركة في القصير وحمص بشكل مفتوح، ولتأمين الخط الاستراتيجي مع المحافظات الساحلية في حال حصل الإنفصال.
ولكن نظام الولي الفقيه يعلم أيضاً أن الكيان العلوي الناشئ متى أصبح واقعاً، لن يكون مرهوناً لإيران، ولن تكون مفاجأة عند تحالف هذا الكيان في المستقبل مع أكثر الدول عداوة مع النظام الإيراني وشيطانها الأكبر.
بناءً على ذلك كله فإن أحمدي نجاد كان قد أقحم المهدي في معركة سوريا منذ أشهر عندما قال: “المهدي عليه السلام سيمنع سقوط بشار الأسد!” لأنه يعلم علم اليقين بأن سقوط بشار سيؤدي وبسرعة إلى انهيار أسطورة الولي الفقيه كإمبراطورية أولاً، وبعدها يصبح انهيار هذه المنظومة حتى في إيران مسألة وقت لا أكثر.