كتبت كارلا خطار في صحيفة “المستقبل”:
“التحريم” منحى جديد تتّخذه القوى السياسية المسيحية في 8 آذار “لمعاقبة” كل مسيحي يترشّح الى الإنتخابات النيابية. وهذا “التحريم” أطلقه عضو تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ألان عون ضمن “فتوى سياسية” ضد مرسوم دعوة الهيئات الناخبة، تنصّ على التالي “إن أي شخص يقدم ترشيحه وخاصة من المسيحيين سيتحمل كلفة معنوية وسياسية كبيرة أمام الرأي العام المسيحي”. جاء ذلك بالتزامن مع “تحريم” مماثل أطلقه نواب من “حزب الله” ضدّ كل مَن يترشح على أساس قانون “الستين”.
ليست وحدها سياسة “حزب الله” هي من أرخت بثقلها على الحلفاء المسيحيين، إنما انسحبت عليها ثقافة “حزب الله” الدينية التي تختصر الطائفة الشيعية في حزب واحد، هكذا يريد النواب العونيون أن يختصروا المسيحيين في حزبهم. فالموقف المهدد والمتوعّد لا يمكن إيجاد أي خطوات تنفيذية له على الأرض، حيث لا يملك النائب في لبنان سوى حق تمثيل الشعب اللبناني من دون محاسبة أي فرد من هذا الشعب يطمح الى الترشح للإنتخابات، لا بل إن الشعب هو من يحاسبه.
وبغض النظر عن المرشحين الجدد من المسيحيين عموماً، يبدو واضحاً أن نواب التكتل يريدون التفرّد بالتمثيل المسيحي، هم الذين لم يثنوا أنفسهم عن الترشح في المرة الماضية على أساس قانون الستين لأن رئيس تكتلهم اعتبر حينها أنه “رجّع الحق لأصحابو”. إلا أنهم، وبعدما أتى بهم القانون نفسه، الذي يحاربونه اليوم، نواباً الى المجلس لم يكونوا مرة على قدر طموحات اللبنانيين في تنقلاتهم بين براد وطهران، واستطلاعات الرأي هي الدليل الساطع على ذلك.
“كلفة معنوية وسياسية” يتحمّلها نواب التكتل اليوم، بعدما أعادوا اللبنانيين الى سوريا وقبلها طالبوا بخروج السوري من لبنان. الكلفة نفسها يتحمّلونها لأنهم لا يملكون صلاحيات المحاسبة ولا سلطات التهديد في بلد ديموقراطي برلماني يحميه الدستور. وهذه الكلفة تحتّم عليهم أن لا يكلّفوا أنفسهم عناء “استجرار” فتاوى من الحلفاء لإبداء الآراء السياسية، أو نقل ما للفقيه في إيران الى لبنان في الإفتاء والقضاء والزعامة السياسية.. كيف سترتسم الصورة إذاً بين الولي الفقيه والعصيان؟
“البطريرك الإنتخابي”، هكذا وصف عضو كتلة “الكتائب اللبنانية” النائب فادي الهبر النائب عون، وتابع “موقفه لا يعني سوى تكتّل “التغيير والإصلاح”، ولا ينطبق على كل المسيحيين، فلم ينصّبه أحد من المسيحيين متحدّثاً باسم الكتل المسيحية”.
ورفض الهبر المواقف التي لا تعبّر “عن لبنان كدولة تعتمد السياسة الديموقراطية البرلمانية وتناصر الحريات”. وأوضح “لكل كتلة هواجسها، ولكن بالنسبة إلينا أي الى قوى 14 آذار عموماً مسيحيين ومسلمين، فنحن نصُبّ كامل اهتماماتنا لإيجاد القانون الإنتخابي الذي يؤمن التوازن في التمثيل المسيحي- الإسلامي”.
ودعا الهبر الى عدم “أخذ الأمور الى أبعد مما هي عليه”، وأضاف “على مستوى حزب “الكتائب” فنحن نصدر القرارات بعد التوافق عليها في المكتب السياسي، وعلى مستوى قيادات قوى 14 آذار فكل المؤشرات تميل الى التوافق في الملف الإنتخابي”. وشدّد الهبر على أنه “من المهمّ، وسط هذه التصريحات، تصويب البوصلة”، كاشفاً عن “الإتجاه الى إطلاق مشروع قانون من المتوقّع أن نتوافق حوله مع النائب وليد جنبلاط، ولمشروع القانون هذا سمات تجعل منه مقبولاً وطنياً.” وختم الهبر “صحيح أن قانون الستين هو القائم حاليا، إنما لا يحظى بإجماع الكتل النيابية ولا فائدة من زيادة الإعتراضات عليه”.
وفي هذا الإطار، يقول عضو كتلة “المستقبل” النائب جان أوغاسابيان إن “مقاربة المسائل الوطنية بمنحى أو بعدٍ مذهبي سيأخذ البلد الى الخراب”. وأشار الى “أن ما قام به رئيسا الجمهورية والحكومة، على الرغم من أننا في موقف المعارضة، هو أمر قانوني”.
ويشرح أوغاسابيان “هذا في القانون، أما في السياسة فقانون الإنتخاب الحالي اي الستين دُفن والكل يجمع على ذلك ولكنه موجود في القانون والمطلوب من المجلس النيابي أن يقرّ قانوناً يلغي مفعول قانون الدوحة”. ودعا “الى عدم الدخول في مزايدات”، معلّقا “والله حرام”.” ولكن كيف سيترجم النائب الآن عون كلامه على الأرض؟ أجاب أوغاسابيان “هو يتحدث عن المسيحي فماذا عن المسلم؟ وما هو مصير المسلم الذي يترشّح”.
وشخصيا، قال أوغاسابيان “لا أعرف حقيقة الى أين يريدون أخذ البلد من خلال مزايداتهم..” وأضاف “واضح بالنسبة إليهم أن العالم العربي اليوم يمرّ بمخاض من الإضطرابات والمآسي، في سوريا تقوم حرب أهلية ومذهبية، هناك حرب باردة روسية-أميركية في المنطقة، وهناك منحى مذهبي للتطرف في العالم العربي والإسلامي.. فبماذا يريدون إقحام لبنان؟ هل من الضروري أخذ لبنان الى هذه المواجهة المذهبية؟ وهل من الضروري أن يكون المسيحي جزءا من الصراع الإيراني- العربي في هذه المرحلة؟ وهل علينا أن نتدخل في أي شيء وأي مكان ونتّجه الى خطاب مذهبي في حين أن المنطقة كلّها تتجه الى التعبئة المذهبية والتطرف والعنف؟”.
ولفت أوغاسابيان الى أن “الهيئة العليا للإستشارات ستجد مخرجا لعدم تعيين هيئة للإشراف على الإنتخابات وبالتالي يصبح هذا القانون مطعوناً به، لا أحد يريده”. وخلص الى أن “هذه التصريحات لا جدوى منها سوى أنها تخلق قضايا ليست موجودة.. هل يطمحون الى المزايدة المذهبية؟ لماذا كل هذا العنف، فهل من أحد أصلاً يريد المضي بقانون الستين؟” وختم أوغاسابيان “انتهى قانون الستين “الشيطان لابسو”، فلنبحث عن قانون يتوافق حوله كل اللبنانيين ولنُبعد الفتن والحرب الأهلية والدمار، كنا نطالب في السابق أن يخرج السوري من لبنان.. أما اليوم فنطالب بأن يخرج اللبناني من سوريا”.
من جهته، يسأل مستشار رئيس حزب “القوات اللبنانية” العميد المتقاعد وهبي قاطيشا “من نصّب هؤلاء “ملالي” عند المسيحيين؟ من الملا عون الى الملا باسيل الى الملا هذا وذاك..” ولفت الى أنه “مسيحياً، دينياً أو سياسياً، لا يحتاج المسيحيون الى الإستحصال على شهادة من الآن عون ولا عمّه ولا خاله..” وتابع “يبدو أنهم يريدون الإطاحة بالإنتخابات النيابية، وهكذا فهم يعترضون كل خطوة تتجه الى حصول الإنتخابات النيابية عبر إعطاء كل مرحلة عناوين دينية أو مسيحية ويختبئون خلفها”.
وعلّق قاطيشا متسائلا “من نصّبهم بطاركة على المسيحيين؟” وأوضح “ما قام به وزير الداخلية لا يتعدّى واجبه الدستوري تمهيدا للإنتخابات، وهذا لا يعني أن الإنتخابات حاصلة على أساس قانون الستين”، مشددا على أن “تطبيق الدستور هو الأهم، فيما كل ما يستتبع ذلك ثانوي”. وعقّب قاطيشا “كلّما أرادوا تعطيل الإنتخابات يتحججون بالدفاع عن حقوق المسيحيين”.
وأضاف قاطيشا “على النائب عون أن لا ينسى تاريخ خاله الذي دمّر المسيحيين خلال كل فترات حكمه، خصوصاً حين اغتصب السلطة وبعدما عاد من فرنسا حين تأمل المسيحيون به خيرا، فأخذهم الى براد ثم الى طهران، تاركاً النظام السوري يتحكّم بنا”. فعلى من ينطبق إذا كلام عون؟ ردّ قاطيشا سائلاً “هل يمون على تكتل “التغيير والإصلاح” حتى يمون على اللبنانيين”.. وختم “واضح أن النائب عون متأثر بإخوانه في “حزب الله” لأن الدين المسيحي لا يعتمد الملالة!”.