#adsense

هل يصلح “الاشتراكي ـ المستقبل” ما أفسدته “8 آذار”؟

حجم الخط

كل المؤشرات تدل على أن الموعد الدستوري لإجراء الانتخابات النيابية في 9 حزيران المقبل سيتم تجاوزه وعدم الالتزام به، والأسباب لذلك عديدة ولا تقف عند حدود عدم التوافق على قانون يرضي الجميع ولا يلغي فريقاً أو يسمح لفريق بالهيمنة على الآخر.

وإن كان من المسلّم به أن لبنان بلد توافقي ولا يمكن أن يحكم على قاعدة فريق غالب وفريق مغلوب، إلا أن الحسابات الانتخابية التي ينتهجها فريق الثامن من آذار تتم كلها على أساس صياغة قانون يعطي الأكثرية النيابية لصالحه.

لكن في هذا الإطار يسجّل لفريق “14 آذار” وفي مقدّمه “تيار المستقبل” اقتناعه بأن التصلّب والتشدّد في المواقف المتعلقة بقانون الانتخابات لا يمكن أن يوصل إلى توافق، فقدّم تنازلات عديدة بدأت مع المبادرة الشاملة التي أعلن عنها الرئيس سعد الحريري على قاعدة إنشاء مجلس للشيوخ واعتماد اللامركزية الإدارية الموسّعة، تطبيقاً لاتفاق الطائف، ثم أتبعها بتقديم مشروع قانون مختلط للانتخابات على الرغم من الموقف المبدئي الذي كان اتخذه وهو رفضه المطلق لمبدأ النسبية في ظل وجود السلاح غير الشرعي لـ”حزب الله”، وجلسات النقاش المطولة و”الممدّدة” للجنة التواصل النيابية التي شارك فيها النائب أحمد فتفت خير شاهد على هذه التنازلات والمحاولات للوصول إلى توافق.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فانخرط “تيار المستقبل” لاحقاً في مشاورات مكثّفة وعميقة مع “الحليف القديم- الجديد” النائب وليد جنبلاط، كان الهدف منها إيجاد صيغة انتخابية ترضى بقبول جميع الفرقاء السياسيين وتزيل القسم الأكبر من “الهواجس” التي تدور حول شعارات “حسن التمثيل” و”الحفاظ على العيش المشترك” وعدم إلغاء الفريق الآخر أو تزويده بورقة “الهيمنة” على السلطة التشريعية.

ولا يمكن هنا تجاهل الدور الذي يلعبه رئيس “الاشتراكي” من حيث الموقع الوسطي الذي اختاره، ومحاولاته إيجاد القاسم المشترك الذي ينتج قانوناً “يوحّد” ولا “يفرّق” بين اللبنانيين، والرسائل العديدة التي يوجهها حول “خطورة” الإفراط في العناد وطرح المشاريع الانتخابية “الإلغائية” والتفتيتية، والتي لا يمكن إلا أن توصل في نهاية الأمر وفي حال اعتمادها، إلى إيجاد نوع جديد من “الانعزالية” الطائفية والسياسية التي هي مقدّمة بديهية لإنتاج حرب أهلية جديدة في لبنان بحسب رأي جنبلاط.

وليس خافياً أن “تيار المستقبل” انطلاقاً من تمسّكه بالحليفين “الكتائبي” و”القواتي” اللذين “جنحا” باتجاه اعتماد المشروع الانتخابي الفتنوي والتفتيتي الذي أطلق عليه زوراً اسم “المشروع الأرثوذكسي”، يتشاور معهما في كل خطوة يتم إنجازها في المشاورات الدائرة مع “الاشتراكي” الذي يقوم هو بدوره بالتواصل مع فريق “8 آذار” من خلال العلاقات “الممتازة” التي تربطه برئيس مجلس النواب نبيه بري علّ يصل الجميع إلى توافق يؤمن إنتاج قانون مقبول تجرى الانتخابات بموجبه.
غير أنه في المقابل، لا يسجّل لفريق الثامن من آذار تقديم أي تنازل أو التقدّم خطوة واحدة لملاقاة فريق “14 آذار” في منتصف الطريق، وإنتاج توافق يتيح للبنان كدولة، احترام المواعيد الدستورية والظهور أمام المجتمع الدولي كدولة ديموقراطية رائدة في منطقة أنتج “ربيعها” أنظمة ديموقراطية بعد طول معاناة مع الاستبداد والديكتاتورية، فيما لبنان في طريقه إلى صياغة بدعة “تمديدية” تتناقض كلياً مع مبدأ تداول السلطة والديموقراطية.

مع تبنّي “حزب الله” للمشروع الذي لم ينجح نظام الوصاية في عز سطوته وهيمنته على إدارة شؤون لبنان في تمريره والمعروف باسم “اللقاء الارثوذكسي”، وفّر لرئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون ورقة لم يكن يحلم بالحصول عليها لحشر “الكتائب” و”القوات اللبنانية”، منافسيه على الساحة المسيحية، في الزاوية ودفعهما للمزايدة في تبنيّه بحجة أنه يوفر التمثيل المسيحي الصحيح ويؤمن المناصفة الحقيقية.

لا داعي لتفسير مساوئ هذا المشروع، لكن يكفي الإشارة إلى أن أحد كبار المسؤولين في الكرسي الرسولي في الفاتيكان، قال إن هذا المشروع هو “نقيض لبنان” كما نقل عنه الكاتب السياسي داوود الصايغ.

وبعد بروز معارضة شديدة لهذا المشروع من “المسيحي الأول” رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ترافقت مع المواقف المعارضة التي سجّلها فريق كبير من النواب والشخصيات المسيحية المستقلة، ثم معارضة رئيس الحكومة له إلى جانب المعارضة الواضحة لـ”تيار المستقبل” والنائب وليد جنبلاط، وعلى الرغم من تهديد عون بأن “لا انتخابات إلا بموجب الارثوذكسي”، عاد “حزب الله” ليطرح مفاجأة أخرى تنص على اعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة مع النسبية، وموافقة عون على هذا الطرح، وإعلان وفاة القانون النافذ حالياً أي قانون “الستين” الذي عدّل في اتفاق الدوحة لكي يرجع للمسيحيين حقوقهم كما روّج عون بعد عودته “المظفرة” من العاصمة القطرية.

لن نسأل رئيس “التيار البرتقالي” عن سبب قبوله بهذا الطرح الذي لا يعطي المسيحيين بأفضل الأحوال أكثر من 49 نائباً بأصواتهم، فما على عون إلا تنفيذ ما يقرره السيد حسن نصر الله.

وتشير المعلومات إلى أن فريق “8 آذار” جاهز للانقضاض على أي صيغة يتم التوافق عليها بين “المستقبل” و”الاشتراكي” والسبب واضح وهو أنه يريد قانوناً يؤمن له الأكثرية في مجلس النواب، ونقطة… على السطر.

لا يخفي مصدر “اشتراكي” أن المفاوضات الدائرة مع “تيار المستقبل” نجحت في تجاوز 95% من العقد المتمثلة في صياغة قانون توافقي وتحديد نسبة النسبية وعدد الداوئر، ولو أن “الخلاف لا يزال قائماً على كيفية تقسيم الدوائر في محافظة جبل لبنان”.

وفي حين، بحسب المصدر، يصرّ “الاشتراكي” على اعتماد قضاءي الشوف وعاليه في دائرة انتخابية واحدة، “يرفض الكتائب دمج قضائي المتن الجنوبي والمتن الشمالي في دائرة واحدة، وهذه واحدة من العقد الأساسية والرئيسية القليلة التي لا تزال تحول دون إكمال الصياغة النهائية لمشروع القانون”.

وعلى الرغم من أن الانطباع الذي روّج له الرئيس برّي بعدم عقد جلسة تشريعة لإقرار قانون للانتخابات يغيب عنها مكوّنان رئيسيان من البلد، أي السنة والدروز، إلا أن سحب رئيس مجلس النواب لمشروعه المختلط الذي تقدّم به النائب علي بزي في لجنة التواصل والذي يقوم على اعتماد مبدأ 50% بحسب النظام النسبي و50% بحسب النظام الأكثري، يطرح أكثر من علامة استفهام حول حقيقة الموقف الذي سيسير به رئيس المجلس.

ففي حين أن برّي يصرّ على التوافق في أي قانون للانتخابات، وتشديده على الميثاقية، فإن المشروع المختلط الذي تقدّم به يمكن القبول به مع إجراء بعض التعديلات البسيطة عليه، وكما في هو معروف في لبنان، فإن من “يدخل السوق يبيع ويشتري” أي رفع نسبة الأكثرية من هنا، وتقليص نسبة النسبية من هناك، قد ينتج في نهاية الأمر قانوناً مقبولاً لا يكون بعيداً عن روحية الطرح الذي يصر عليه برّي ومعه الحريري وجنبلاط.

وتبدي مصادر مطلّعة خشيتها من أن يكون فريق “8 آذار” يضغط على الرئيس بري لعدم القبول بأي صيغة قانون لا يؤمن الأكثرية لهذا الفريق، والدعوة لعقد الهيئة العامة لمجلس النواب لتمرير قانون “اللقاء الأرثوذكسي” أو في أسوأ الأحوال، مفاجأة الجميع وطرح مشروعه 50-50 على التصويت، وهو الحائز على أكثرية في مجلس النواب، لأن “القوات” سبق أن أعلنت قبولها به، ولم يحظ بمعارضة شديدة من باقي الفرقاء.

“كل الدروب توصل إلى روما” والمطلوب أن تنتج الانتخابات المقبلة، وبأي طريقة كانت، الأكثرية لصالح فريق “8 آذار” تمكّنه من السيطرة على السلطة التشريعية استكمالاً لمشروعه بالهيمنة على البلد، بعد أن كان قد أمسك بمفاصل السلطة التنفيذية ناهيك عن “نفوذه” لدى السلطتين القضائية و”العسكرية- الأمنية”,
وتستبعد المصادر المعنية بغياب “التوافق الإقليمي والسلطة الراعية للتوافق في لبنان، أن يصار إلى إنتاج قانون انتخاب مقبول من الجميع، وأن تجرى الانتخابات في موعدها” لكنها لم تخف خشيتها من إصرار المحور “الإيراني- السوري” على الإمساك بمفاصل مجلس النواب، كورقة تعويض استباقية، تشكّل له “تعويضاً عن خسارة سيتكبّدها حتماً بسقوط النظام السوري قريباً”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل