#adsense

خروج «14 آذار» من العازل الإنتخابي

حجم الخط
لا ضَيْرَ أن يُعلن أطراف تحالف «14 آذار»، اليومَ، خلافاتِهم ثم يتَّحدون، فقد درَجوا سابقاً أن يعلنوا وِحدتَهم ثم يختلفون.

اللبنانيون اعتادوا على “14 آذار” تُحيي كل سنة ذكرى انطلاقتها، فيما لم يتعوّدوا على “8 آذار” تخاطر بإحياء ذكراها. “14 آذار” تَفخر بأن تُذكِّر الناس بموجبات نشوئها، لكن هل تفاخر “8 آذار” بظروف تأسيسها؟ “14 آذار” قالت لجيش الاحتلال السوري أن يخرج، “8 آذار” دعته لأن يبقى.

“14 آذار” تستطيع أن تقدِّم مشروعها الناصعَ والشفّاف، هل تستطيع “8 آذار” أن تكشف عن مشروعها؟ “14 آذار” تجرؤ على الاعتراف حتى بأخطائها (وهي كثيرة) لأنها ارتكبتها بنية المحافظة على وفاقٍ وطنيٍّ ما، هل تستطيع “8 آذار” الاعتراف حتى بإنجازاتها (وهي نادرة) وقد ارتكبتها بقصد تأمين مصالح المحور السوري – الإيراني؟

مضَت ثماني سنوات على انطلاق ثورة الأرز. حرّرت الوطن من دون أن تتحرّر. عزّزت الكيان ودكّت كيانها. نقلت لبنان إلى زمن القيامة وبقيت هي في زمن الجلجلة. انطلقت من ساحة الشهداء، فضاقت بشهدائها. لم يُجدِّد قادتها أحلامهم ولا تركوا جيلاً جديداً يُحقِّق أحلامه. أرادوا بناء لبنان الجديد بموادّ لبنان القديم، وهي فاسدة ومنتهية المدة. ابتدعت المجتمع المَدني ووقعت ضحية المجتمع المُدني. نسيَت القرية والبلدة والضيعة والريف… نسيَت الشعب.

“تَبَرجَزت”. جعلت شعبَها جماهيرَ وسيَّرت الجماهير نحو المهرجانات، فملّ الشعب صوتَ النفير من دون معارك، وبطولات الخطابات من دون نضال، وكثافة المطالب من دون إنجازات. صارت شعاراتنا ثقلاً علينا ومبادئنا وخْزَ ضمير، ويكاد شهداؤنا يقومون من بين الأموات ولمّا يصدر بعد قرارٌ ظني كامل بمن اغتالهم.

لا تستطيع “14 آذار” أن تبقى معارَضة مع وقف التنفيذ بعد أن كانت حاكمة مع ثلث معطِّل. في الأولى لم تَعد تملأ الشوارع وفي الثانية لم تملأ القصور. لا يجوز أن تعطي “14 آذار” الانطباع بأنها تُجسّد السُنّية السياسية مثلما تُجسّد “8 آذار” الشيعية السياسية، ومثلما جَسَّد الحلف الثلاثي في ما مضى المارونية السياسية. فعلاوة على أنّ “14 آذار” شكلت في تاريخ لبنان الحديث التحالفَ الذي عبر كل الفئات الوطنية في كل الطوائف والمناطق اللبنانية، فإنها أسقطت في مرحلة من مسيرتها الانتماء الطائفي أيضاً، حيث أن سعد الحريري ووليد جنبلاط مثّلا الوجدانَ المسيحي بقدر ما مثّل أمين الجميّل وسمير جعجع الوجدانَ المسلم والدرزي.

وبعيداً عن المظاهر، إنّ المكوِّن المسيحي في “14 آذار” كان مؤثِّراً في الخيار السياسي أكثر من تأثير المكوِّن المسيحي في “8 آذار”. لقد أخذ “حزب الله” من “التيار الوطني الحر” الجوهر (الخط التاريخي) وأعطاه القشور (مناصب ومغانم). لكنّ حزبَي “الكتائب” و”القوات” غضّا الطرف عن حليفيهما تيار “المستقبل” في الشكل (ظاهر القيادة) واتفقا وإياه على الجوهر (الولاء للبنان).

لكي يتعزّز التفاهم المسيحي – الإسلامي داخل “14 آذار”، يفترض بمسلمي هذا الفريق أن يفكروا بروح الميثاق الوطني لا بنص اتفاق الطائف فقط، ويَجدر بمسيحيّي الفريق نفسه أن يفكروا بروح اتفاق الطائف لا “بنص” الميثاق الوطني فقط. ولا بد لهذه المعادلة من أن تكون جوهر أي إصلاح دستوري مستقبلي يخرج به مؤتمر وطني عتيد.

إنّ تحدّيات كثيرة تواجه تحالف “14 آذار” ويقتضي على مكوّنات هذا التحالف أن يبتدعوا قوّة دفعٍ جديدة لثورة الأرز، لأنّ قوة دفع سنة 2005 عاجزة، وحدها، عن المحافظة على وحدة “14 آذار”. ومن يَنكر الأذى الذي أحدثته الحملة على خيار قانون اللقاء الأرثوذكسي، يُشبه مَن يحجب الشمس بإصبعه.

إن أزمة قانون الانتخابات هي الصاعق الظرفي الذي فجّر خلافات مزمنة بدأت مع إقدام تيار “المستقبل” على تحويل انتصارات “14 آذار” تسويات واكبت تحولات عربية ودولية… فوُلد التمايز الكتائبي. لم يتمايز حزب “الكتائب” حفاظاً على استقلاليته فقط، بل حرصاً على استقلالية “14 آذار” وعلى مبادئها وثوابتها الوطنية.

إن الصيغة اللبنانية تُحتِّم استمرار تحالف “14 آذار” وخروجه من “العازِل الانتخابي”، فلا المهمة انتهت ولا الدور. وتحدّي “14 آذار” اليوم أن تُبرهن للبنانيين بأنها إنتاج لبناني، وبالتالي، لن يؤثر على وحدتها تغيّر طبيعة العلاقات العربية والإقليمية. هل يُعقل أن تسقط “14 آذار” قبل سقوط بشّار الأسد؟ هل يعقل أن تسقط “14 آذار” قبل حلِّ موضوع السلاح غير الشرعي؟ هل يعقل أن تسقط “14 آذار” قبل إلقاء القبض على المتهمين بقتل شهدائنا ولو بعد 300 سنة؟ هل يعقل أن تسقط “14 آذار” قبل صدور حكم المحكمة الدولية؟ هل يعقل أن تسقط “14 آذار” قبل بناءِ الدولة اللبنانية الحرة؟ هل يعقل أن تسقط “14 آذار” قبل عودة رفيق وباسل وسمير وجبران وبيار وأنطوان ووسام والآخرين؟

من أجل ذلك، هلموا، نضع معاً، بمحبة وتجرد، ميثاقاً وطنياً وتنظيمياً يحفظ تحالف “14 آذار”، ويرتكز على النقاط التالية:

1. تأكيد استقلالية تحالف “14 آذار” عن المحاور العربية والدولية لأنّ من يطالب بالاستقلال لوطنه يجب أن يكون هو مستقلاً وسيد قراراته.

2. نشرُ روح المحبة والاحترام بين قياداته الأساسية لأن لا تحالف حقيقياً من دون محبة واحترام، فالدعوة إلى قبول الآخرين، (خارج 14 آذار) تفقد مصداقيتها إذا لا يقبل الداعون إليها بعضهم البعض (داخل 14 آذار).

3. صوغ مفهوم جديد للقضية الوطنية لتعود مادة نضالية تُحرك الجماهير والرأي العام أكثر مما تُحرّكها المساعدات العينية. فتحالف “14 آذار” يملك مجموعة مواد نضالية، ولكنها تحتاج إلى تنسيق وسلّم أولويات واستخراج قضية أساسية تحرك الناس.

4. إطلاقُ شرعةٍ جديدة لتحالف “14 آذار” تُثبت وحدةَ نظرته العملية والدستورية للبنان الدولة (أي لبنان نريد) في ضوء الأحداث الكيانيّة العاصفة في العالم العربي، وبعد مرور نحو ربع قرن على تطبيق اتفاق الطائف.

5. إعادةُ تنظيم هيكلية هذا التحالف، فتنبَثق قيادة تقريرية لا تشاورية، ولا تُتَّخذ قرارات التحالف إلا بالإجماع.

6. تنظيم الأمانة العامة بحيث ينضم إليها كلُّ مكونات التحالف، والوثوق بها للقيام بدورها التنسيقي والتنفيذي.

7. إيجاد مركز دائم مستقلّ عن كل أحزاب وتيارات التحالف يكون مقراً للقيادة السياسية والأمانة العامة.

8. خَلق مجلس وطني يضمّ نُخب المجتمع اللبناني المؤمنة بقيم “14 آذار” على أن يتم اختيار أعضاء هذا المجلس بالتوافق بين أعضاء مجلس القيادة حرصاً على مستوى التمثيل وضماناً للالتزام السياسي.

إن كان إحياء ذكرى ثورة الأرز سنةَ 2013 مهمّاً، فإحياء تحالف “14 آذار” 2005 هو الأهم.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل