باستثناء رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وقوى “14 آذار”، فإنّ “حزب الله” وحلفاءه، وحتى النائب وليد جنبلاط باتوا يتصرفون وكأنّ التأجيل حاصل. المفاوضات الصعبة بين تيار “المستقبل” وجنبلاط في شأن قانون انتخابي موحّد مع مسيحيّي “14 آذار” لم تُفضِ إلى نتيجة. فالخلاف الظاهر حول تفاصيل تقسيم الدوائر، خصوصاً بالنسبة إلى مراعاة جنبلاط في استبعاد ضمّ بعبدا الى الشوف وعاليه، لا يعكس الوجه الحقيقي والوحيد للمشكلة. فرئيس “جبهة النضال الوطني” لا يريد من خلال هذا التفاوض إلا تفشيل الأرثوذكسي، على أن لا يمتد هذا التفشيل الى ما هو أبعد، أي الى صياغة تحالف مع “14 آذار” وخصوصاً مسيحيّيها. لا يريد جنبلاط نقل الأكثرية الى “14 آذار” من خلال الاتفاق معها على قانون جديد، كما لا يريد أن يوافق على “الأرثوذكسي” الذي يعطي “حزب الله” وحلفاءه الأكثرية. بكل بساطة يريد أن يحتفظ بدوره المحوري في أي قانون انتخاب، وقد لا يمانع من أجل هذا الهدف بإبقاء الوضع الحالي على حاله، من خلال الوصول الى تأجيل الانتخاب، وهذا ما سيعطي “حزب الله” دفعاً على طريق التأجيل.
“حزب الله” يعرف أن مرور “الأرثوذكسي” بات صعباً، ولهذا استعاض عن الخطة الأولى التي كانت تهدف الى إحراج مسيحيّي “14 آذار”، بخطة تأجيل الانتخابات. هذا يقود الى المزيد من الضغط على رئيسَي الحكومة والجمهورية، ليعطل تشكيل الهيئة المشرفة على الانتخابات، وليمنع صدور قرار بتمويل إجراء الانتخابات، إذا لم يمر أي قانون يعطيه الأكثرية.
أما رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، فيبدو من خلال الإنذار الذي وجّهه في قضية تعطيل الاستحقاقات الدستورية، سواء بالنسبة إلى مرسوم دعوة الهيئات الناخبة أو تشكيل الهيئة المشرفة على الانتخابات، كمَن يقول اللهم أشهد اني بلغت. فالضغط غير المشروع الذي يمارسه الحزب وحلفاؤه وصل الى حدّ تحويل السلطة التنفيذية الى رعاية الدولة الفاشلة، التي يستطيع فيها أي طرف تعطيل الاستحقاقات الدستورية، بقرار منفرد، هذا مع العلم أن الهوامش المتاحة امام رئيس الجمهورية لمنع تعطيل الانتخابات النيابية ضيقة، فلا وقف انعقاد جلسات مجلس الوزراء يمكن أن يغير في جنوح أكثرية الحكومة الى هذا التعطيل، ولا حضّ المجلس النيابي برسالة موجهة من الرئيس على إقرار قانون جديد، يمكن أن تفرمل توجهاً بات بحكم المسلّم أنه سيؤدي إلى تجاوز الاستحقاقات الدستورية، التي يُفترض أن تُجرى في موعدها.
في ظل التسارع الذي سيفضي الى تأجيل الانتخابات، هل سيفلح الضغط الدولي الخجول في منع الوصول الى الازمة، وهل سيعني التأجيل التقني مجرد شراء للوقت لمدة أشهر كافية لاتضاح الصورة في المنطقة، أم أن هذا التأجيل سيكون تعبيراً عن دخول مرحلة الفشل الذي يعني تكرار مراحل شهدت الفراغ الرئاسي والنيابي.
الأرجح أن الفشل في الوصول الى توافق الحد الأدنى حول القانون الانتخابي، سيؤدي الى التأجيل. وما الصيغ المتعددة التي صدرت عن الاطراف إلا تعبيراً عن التمسك بمعادلة الفوز في الانتخابات مسبقاً من خلال نوعية القوانين المطروحة.
وإذا كان “حزب الله” وحلفاؤه قد أصبحوا قريبين من إعلان عدم رغبتهم في إجراء الانتخابات، فإن قوى “14 آذار” لا تملك القدرة ولا الوسائل لمنع تعطيل الانتخابات، كما أنّ كلاً من رئيسي الجمهورية والحكومة لا يملكان أكثر من القدرة على تعطيل “الأرثوذكسي”، من دون أن يعني ذلك إعطاء أي ضمانة لإجراء الانتخابات في موعدها.