في المبدأ، يحتاط الحلف السوري – الإيراني لمختلف الإحتمالات السورية. وسواء صمد نظام الرئيس بشّار الأسد أم تغيّر، فهناك حاجة إستراتيجية لاستمرار حلفائه مُمسكين بالسلطة في لبنان. ولذلك، لا يمكن لـ “حزب الله” أن يغامر بإنتخابات قد يخسرها، ومعها يخسر الغالبية والحكومة. فالغالبية كلفته المغامرات الخطرة، والحكومة مارَس الكثير من الضغوط لتأمين ولادتها، وهو تغاضى عن “التجاوزات” الميقاتية والجنبلاطية منعاً لفقدانها.
من هذا المنطلق، لا يناور “حزب الله” وحلفاؤه عندما يحصرون الاستحقاق الإنتخابي بثلاثة خيارات: إما “الأرثوذكسي”، وإما لبنان الدائرة الواحدة وفق النظام النسبي، وإما… لا إنتخابات! وهذا الكلام الذي يتردّد “الحزب” في المجاهرة به، يقوله حليفه العماد ميشال عون صراحة.
في الخيارين الأولين يضمن “الحزب” وحلفاؤه غالبية المجلس من دون الحاجة إلى النائب وليد جنبلاط. أما في الخيار الثالث، وهو الاضطراري، فهم على الأقل يضمنون استمرار الغالبية الحالية، المحكومة بالتحالف مع جنبلاط وسائر “الوسطيين”. ومع أن هذا الخيار ليس الأفضل، فـ”الحزب” لا يخشاه. وفي تقديره أن أياً من شركائه “الوسطيين” لن يجرؤ على مغادرة “عشّ الزوجية” ما لم يسقط النظام في سوريا. و”الحزب” لا يرى ملامح لهذا السقوط حتى إشعار آخر. لكن “حزب الله” ليس مرتاحاً تماماً. فهو يتعرّض لضغوط دولية تصل الى حدّ التهديد في مسألتين:
– الأولى هي الإنصياع لصفقة واقعية حول قانون الإنتخاب. وتميل القوى الدولية إلى قانون ينطلق من أرضية قانون 1960، يراعي المسيحيين ما أمكن، ويحفظ التوازن الحالي في الحكومة، إذ يبقى الوسطيون في الموقع المرجّح. فهؤلاء ضمنوا التمسك بالقرارات الدولية والمحكمة و”النأي بالنفس”. وهذا ما يقتضي مراعاة سليمان وجنبلاط وميقاتي في الإنتخابات. كما يخشى الأميركيون وحلفاؤهم إجتياح القوى الإسلامية المتطرفة البرلمان المقبل في حال اعتماد نظام متطرّف ويضعف المعتدلين كـ”الأرثوذكسي”.
– الثانية هي عدم التسبّب في تطيير الاستحقاق الإنتخابي، لأن ذلك من شأنه تهديد الاستقرار. وسيكون ذلك، بالنسبة إلى المجتمع الدولي، “عملاً عدائياً” من جانب “الحزب” على الحياة السياسية اللبنانية.
وجاء الدخول المباشر للسفيرة الأميركية مورا كونيللي على الخط في الأيام الأخيرة ليترجم الضغوط الدولية.
«حزب الله» مهدَّد!
ويخوض “حزب الله” معركة صامتة مع القوى الدولية التي تمتلك خيارات عدة للردّ. وأبرز هذه الخيارات هو إسقاط الحكومة بدعوة “الوسطيين” إلى فكّ ارتباطهم بـ”الحزب” تحت ذرائع عدة، ومنها الإختلاف في الملف الإنتخابي. وعلى رغم المحاذير التي يدركها ميقاتي وجنبلاط من أن عملاً من هذا النوع سيثير غضب “الحزب” وردود فعل غير محمودة، فإن رئيس الحكومة فَتَح الباب قليلاً لاحتمال اللجوء إلى هذا الخيار، إذ ألمح إلى أنه سيستقيل تمهيداً لخوض المعركة في طرابلس. وقد تسقط الحكومة أيضاً بانسحاب جنبلاط أو تحت ضغط الشارع.
ويدرك “حزب الله” أن الأميركيين لم يبدوا اعتراضهم على الحكومة الحالية، بعد إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، لأن ميقاتي والوسطيين يتحكمون باللعبة فيها. فإذا كان “الحزب” سيتفرَّد بالسلطة مع حلفائه، فذلك يعني سحب الغطاء الدولي عن الحكومة المقبلة، مع ما يعنيه ذلك من تصوير لبنان “غزة ثانية” رديفة لنظام إقليمي يخوض صراعاً ملتهباً.
ويمكن أن يتوقع “الحزب” ردوداً دولية غير مباشرة، كزيادة الضغط عليه تحت عنوان “الإرهاب”، خصوصاً بعد ورود اسمه في ملفات أمنية ومالية في دول عدة. واستطراداً، يقول البعض، يمكن أن يتوقع تحريك المحكمة الدولية التي أرجأت محاكماتها الغيابية بعدما كان مقرراً انطلاقها بعد أسبوعين. ويَفترض أصحاب هذا الرأي أنّ المحكمة ليست مسيَّسة في عملها، لكنها تتوخّى ملاءمة عملها مع التوقيت السياسي والأمني الأفضل في لبنان.
فهل سيرضخ “حزب الله” لهذه الضغوط أم تَفرِض عليه اعتباراته الإقليمية أن يخوض المعركة حتى النهاية لتكريس نفوذه، احتياطاً لأي طارئ يتعرض له حليفه الإقليمي؟
إذا كانت سوريا مقبلة على تسوية يرعاها النظام وتحفظ استمراره، فالمرجّح استعادةٌ لتسويةِ اللحظة الأخيرة حول الإنتخابات. أما إذا كانت المنازلة في سوريا ستستمرّ على قاعدة “إما قاتل وإما مقتول”، فالأرجح أن الجميع في لبنان سيلعب “صولد” أيضاً. ولهذا “الصولد” استتباعات سياسية وأمنية وعسكرية، وقد تصبح الانتخابات فيها مجرّد شأنٍ هامشي!