كان المتوقع أن يزحف الجيش الأسدي على الرقّة لاستعادتها من الثوّار السوريين فإذا بهؤلاء يزحفون على حي بابا عمرو في حمص ويعيدون السيطرة عليه بعد نحو عام على سقوطه!
دخول القوات الأسدية إلى بابا عمرو آنذاك وتدميره وتهشيل أهله وقتل من بقي منهم، كان مناسبة لحدث موازٍ تمثّل بنزول بشار الأسد شخصياً إلى الميدان لاستعراض “الانتصار” والبناء عليه… وكأنه الجنرال ديغول عند دخوله باريس في 26 آب 1944 غداة تحريرها من النازيين.
… لأن بشار الأسد شخصياً وجد في “انتصاره” هناك مناسبة للقول إنه الأقوى وسيبقى، فإن اندحاره مجدداً بالأمس هو مناسبة موازية للقول إنه صار الأضعف ولن يبقى. ومثلما كانت معركة الرقّة تبخيساً مباشرة لسيطرة قواته على طريق حمص وحلب، فإن إعادة الثوّار سيطرتهم على بابا عمرو هي تبخيس خلاّب لكل رهان معاكس يحاول أصحابه من دمشق إلى طهران إلى موسكو تدعيمه بوقائع ميدانية كبيرة.
التركيبة الذهنية القائمة عند كثيرين راهناً، راسية عند مفهوم الحل السلمي انطلاقاً من اتفاق جنيف وتوابعه. وهذا ينطلق من معادلة ميدانية موازية تقول باستحالة الحل العسكري، وعدم قدرة أي طرف من طرفي الحرب، على حسمها لمصلحته تماماً. هذا ما تدل عليه خريطة توزّع القوى على الأرض. وهذا ما “تحرص” على دوامه واستمراره قوى دولية متنافرة في كل شيء لكنها متفقة على ذلك! أي على عدم تقديم أسلحة نوعية تمكّن “الجيش الحرّ” من كسر الستاتيكو المرهق والمدمّر وتدفعه تالياً إلى تفعيل قرار الدخول في معركة تكسير عصب السلطة في قلب العاصمة!
ما حصل في الرقّة وبابا عمرو يدلّ على شيء بعيد عن جنيف واتفاقها: رغم الدعم التسليحي المفتوح من طهران وموسكو، ورغم امتلاكها سلاح الطيران والصواريخ البعيدة المدى، ورغم الشراسة التدميرية الدموية التي يظهرها شبّيحتها وكتائبها، فإن وتيرة تداعي سلطة الأسد تفاجئ أعداءها وتبدو أسرع من كل الحسابات.
وذلك يدلّ في جانب آخر، على معطى أفظع. بمعنى أن مأساة السوريين يمكن لها أن تُختصر في وقت سريع لو تقرر مدّ “الجيش الحرّ” بما يطلب… معركتا الرقّة وبابا عمرو وبعض التفاصيل الميدانية المتفرقة في ريفي حلب ودمشق، تؤشر في مجملها إلى منطق ملغٍ لمنطق اتفاق جنيف، أي إن احتمالات تداعي سلطة الأسد تماماً، هي احتمالات واقعية وواعية ودقيقة وممكنة، وليست شططاً تحليلياً فيه من التمنيات أكثر من الحقائق.
قبل المعركتين، أو في مكان قريب منهما، يمكن إدراج “الفتوى الحسّونية” الدينية في مقدّم وقائع انهيار السلطة “العلمانية” الأسدية!… حتى وظيفة “الدفاع عن الأقليات في وجه التطرّف الأكثري”، بارت في أرضها ولم تعد صالحة للبيع!