كتب بيار عطاالله في “النهار”:
رغم ضخامة الحرب الأهلية القائمة في سوريا وحدة المعارك والاجتياحات المتبادلة وما يرافقها من انهيار لكل بنى النظام ومقوماته، لم يرشح شيء بعد عن مصير المعتقلين او السجناء اللبنانيين لدى النظام السوري، وتبدو الصورة شبه غامضة الى درجة يحار معها أهالي المعتقلين في كيفية التعامل مع الوضع ومن يجب مخاطبته في هذه اللحظة السورية الحرجة، بل المأسوية ما دامت الحكومة اللبنانية قررت اعتماد سياسة النأي بالنفس عما يجري في سوريا، وما دامت القوى المؤيدة للنظام السوري والتي تعارضه قررت أن سياسة النأي بالنفس لا مكان لها في قاموس الحرب.
مناسبة هذا الكلام، ما يجري على صعيد السجون والمعتقلات السورية، وارتباطها العضوي بقضية المعتقلين اللبنانيين في سوريا، وهو شاهد العالم بأسره طريقة السيطرة على بعضها أو اقتحام بعضها الاخر وتفجير اجزاء منه دون أن يصدر ولو مجرد خبر صغير عن مصير لبناني واحد معتقل لدى السلطات السورية. ودخل المعارضون السوريون حتى الساعة سجن الرقة المركزي، وسجن أدلب المركزي وقيل ان عملية واسعة جرت لتحرير السجناء من سجن حمص المركزي. ونشرت وسائل الاعلام صوراً وافلام فيديو عن عمليات التفجير الانتحارية التي استهدفت معتقلات منطقة كفرسوسة في العاصمة السورية، وهي: فرع التحقيق العسكري، فرع المنطقة وفرع فلسطين، لكن شيئاً لم يعلن عن مصير معتقل أو سجين لبناني واحد، علماً أن للمعتقلين اللبنانيين المحررين من هذه السجون أخبارا كثيرة تقشعر لها الابدان عما عاشوه من تعذيب وقهر. ومنهم جمال كرارة (أبو هيثم) الذي يؤكد الاسرى المحررون أنه أمضى اربع سنين في فرع فلسطين، وكذلك الدكتور جو هليط الذي أمضى مدة لا بأس بها في تلك المعتقلات. ورغم ان هذه المعتقلات هي مراكز تحقيق، إلا أن اللبنانيين كانوا يمضون فيها سنين طويلة قبل نقلهم الى معتقلات امن النظام في الصحراء السورية، ومنها تدمر التي يصفها رئيس “جمعية المعتقلين اللبنانيين المحررين من السجون السورية” علي أبو دهن في كتابه بـ”جهنم”. ويروي فصولاً مرعبة عما عاناه هناك مع رفاقه اللبنانيين والسوريين والفلسطينين.
الخبر الوحيد الذي استطاع أعضاء “جمعية المعتقلين” التوصل إليه عما يجري في سوريا ومصير زملائهم في غمرة الحرب الأهلية السورية، التي تقترب من معتقل تدمر تدريجاً، وخصوصاً بعد سيطرة المعارضة المسلحة على مدينة الرقة، كان المعلومة التي وصلت عن احد الخارجين من “جهنم” تدمر، وفحواها أن ثمة معتقلا لبنانيا لا يزال حياً هناك هو الياس جورجيوس، ويبدو أن المحرّرين تعرفوا اليه، وهو هناك منذ عام 1990 وكان يعمل حلاقاً رجالياً قبل خطفه من لبنان ونقله الى معتقل عنجر، ومنه الى تدمر. وفي المعلومة التي يؤكد المعتقلون المحررون صحتها ويتحفظون عن اسم مصدرها من أجل حمايته، أن جورجيوس كان لا يزال هناك حتى عام 2007، تاريخ خروج احدهم، ويبدو أنه استطاع الصمود رغم كل شيء، وقرار موته أو حياته في يد النظام السوري. وتطلب الجمعية ممن يتعرف الى اسمه ان يزودها ما يملك من معلومات.
المشكلة الأكبر بالنسبة الى قضية المعتقلين في سوريا، أن الدولة اللبنانية لا تكتفي بإهمال هذا الملف وتركه للأيام والنسيان، بل ان سياسة النأي بالنفس في هذه القضية تعني “القضاء على النفس” بالنسبة الى من لا يزال معتقلاً، فالحكومة على لسان الاهالي والمحررين لا تكلف نفسها عناء إرسال مندوب بطريقة غير مباشرة للتحقيق عما اذا كان هناك معتقلون لبنانيون بين من خرجوا من سجون الرقة وأدلب وحمص، ولا تكلف نفسها أيضاً عناء الطلب من النظام السوري تسليمها من تبقى لديه من المعتقلين اللبنانيين، سواء اكانوا معتقلين سياسيين أم سجناء جنائيين، وتلك هي الطامة الكبرى بالنسبة الى الاهالي وجمعية المحررين.
