مجدّداً يبدو الأداء القتالي السياسي المحلي لـ”حزب الله” استثنائياً وفوق العادة، ويعكس توتراً استثنائياً وفوق العادة يدفعه إلى اعتماد سياسات لا تليق بالألق الاطمئناني اليقيني المعهود عنده!
والمنطق البسيط يصحّ في هذه الحالة كما في غيرها: الصوت العالي دليل ضعف وليس قوّة. وتعبير فضّاح عن قلق وليس اطمئناناً. وعن توتّر وليس هدوءاً… والتمسّك بالحد الأقصى في الموقف واللغة يعكس نمطاً متبرّماً وليس استيعابياً. ولجوجاً وليس متأنياً. وكأنّ مرحلة توزيع الهدايا والمغانم وصلت إلى خواتيمها. وانتهت البحبوحة السياسية التي كانت تسمح سابقاً باسترضاء هذا ومراعاة خاطر ذاك.
يبدو وضع الحزب اليوم وكأنّه مأزوم إلى مناخيره. ولم يعد بإمكانه التطنيش ولا الانتظار.. وكل الفواتير مطلوب تسديدها اليوم قبل الغد!
قصّة عدنان منصور (مجدّداً) لافتة في كل تفاصيلها وعموميّاتها. وفيها ومن خلالها يدلّ “حزب الله” إلى دخوله مرحلة الضيق والتوتّر والتخلّي عن سياسته السابقة التي كان يؤثر فيها الإجمالي على التفصيلي… أي أنّه، في مقابل ديمومة سيطرته على السلطة التنفيذية، “طنّش” عن أمور كبيرة ومهمّة بالنسبة إليه (؟) وترك هامشاً رحباً لأدواته كي تستعرض بطولات وهمية أمام جمهورها، وألا تظهر كما هي، مأمورة وليست آمرة. ومطيعة وليست متمرّدة. وهذه كانت حاله حتى الأمس مع رئيس الحكومة تحديداً وخصوصاً اليوم، هناك لغة مختلفة، صلفة وجافّة ومهينة حُكماً: عدنان منصور أعلن الموقف اللبناني الصحيح في القاهرة، ونقطة انتهى النقاش! ومَن ركّب هذه الحكومة هو وحده مَن يفكفكها. ونقطة انتهى التفنيص!
والجملة الأخيرة الواردة تسريباً بالأمس تدلّ “بصدق” إلى أنّ مَن وصف ويصف التشكيلة الوزارية بأنّها “حكومة حزب الله” لم يكن مخطئاً ولا بحرف واحد… أمس، قال الحزب إنّه هو مَن صنع هذه الحكومة وهو مَن يفرطها. وهو “صاحبها” وهو مَن يبيعها. علماً أنّ قيادته وعلى أرفع مستوياتها، فختت آذان الناس بمطوّلات تنفي تلك “التهمة” وتضعها في خانة التآمر على “المقاومة وإنجازاتها”… ليس إلاّ.
… لكن، معه حق أن يقلق “حزب الله”: اكتشف أخيراً أنّه غير قادر على الحكي ليس مع أخصامه و”أعدائه” فقط، بل حتى مع حلفائه أيضاً. وغير قادر على مباهاة اللبنانيين بأي إنجاز يُعتد به جرّاء انقلابه شبه المسلح على خياراتهم الانتخابية الشرعيّة. والأخطر من ذلك، أنّه غير قادر على التملّص من تبعات انخراطه الهادر في قتال الشعب السوري، وغير قادر على “إقناع” أحد بذلك الخيار الانتحاري الخارج عن سوية المنطق “الشرعي” والسياسي والوطني والأخلاقي والاستراتيجي. وغير قادر على تسويق سياسة الفتك بمصالح لبنان العليا وبمصالح اللبنانيين أينما كانوا. وغير قادر على الجهر بانتمائه الفئوي الذي يحرّك كل سياساته ومواقفه وهو الذي يدّعي أدواراً كبرى تتصل بمصائر “الأمّة” من أولها إلى آخرها… ومن ثمّ لم يعد قادراً على التحكّم وتفعيل انشودة “الأمر لي” المعهودة!
اكتشف أخيراً أنّ الدنيا أكثر تعقيداً من حساباته، وأنّ ستار الممانعة لم يعد يستر شيئاً.
القلق في حالته “شرعي” تماماً: الآخرون مأزومون، لكن قلقه مصيري.