#adsense

ثماني سنوات .. والحلم مستمر

حجم الخط

14 آذار 2005.. لم يكن اليوم عادياً، فرائحة دماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري لا تزال تعبق في أجواء لبنان بأكمله، والهتافات التي ترددت في ساحة رياض الصلح قبل ستة أيام لشكر “سوريا الأسد” لا تزال أصداؤها تصمّ آذان اللبنانيين على مختلف انتماءاتهم وخصوصا المعنيين بهذا الاغتيال الذين منذ اللحظة الأولى وجهوا أصابع الاتهام إلى سوريا وأدواتها اللبنانيين.

لم يكن جبل كمال جنبلاط، أول ضحايا نظام الاستبداد والقمع في دمشق، قادراً على كبت مشاعره، خصوصا أن التحقيقات “الخاصة” في اغتيال “المعلم” كانت قد توصّلت إلى الحقيقة المرّة: اغتيل بقرار من حافظ الأسد شخصياً، فقرر جمهور الجبل الوفي والملتزم أن يتحرك وينزل إلى الساحة لينتقم من قتلة “المعلم” وقتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وينادي بخروج نظام الوصاية والتحرّر من “السجن العربي الكبير”.

لم يكن شمال لبنان في حالة أفضل، فاستذكر أبناؤه الأوفياء رئيس الجمهورية رينيه معوّض، الذي اغتيل في يوم الاستقلال والقاتل كان نفسه، فقرر الانضمام إلى من سيتواجد في ساحة “الشهداء” علّه يفي حق رئيسه الشهيد، ناهيك عن أولئك الذين تعرّضوا ولا يزالون لاضطهاد قوات الاحتلال السوري الذين أبوا إلا أن يشاركوا صرخة أخوانهم الذين يطالبون بالتحرّر من الوصاية وتحقيق الاستقلال.

ومن كسروان وجبيل والمتن، استذكر الأهالي اغتيال الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميل على يد أحد عناصر الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي قال قبل ستة أيام “شكراً سوريا” فهبوا جماعة موحدين وانضم إليهم “رفاق” عانوا بسبب “نفي جنرالهم” ونزلوا موحدين يطالبون بالحرية والسيادة والاستقلال.

وفي الجنوب، كانت صيدا تغلي لفقدان ابنها البار، ويشعر أهلها أن الانفجار الذي أودى بحياة كبير من رجالاتها إنما أصابهم في صميم كل فرد منهم، فقرروا الزحف نحو العاصمة لينضموا إلى أبنائها الذين أرادوا رد الوفاء للرجل الذي أعاد إعمار مدينتهم التي أصبحت قبلة الشرق.

لم يفكّر ابن الجبل بأنه درزي، ولا ابن الشمال بأنه ماروني أو سني، ولا ابن صيدا وبيروت بأنه مسلم أو مسيحي، لقد جمعتهم المصيبة، مصيبة تجرؤ نظام الوصاية على الاستمرار في قتل خيرة رجالات لبنان من دون حسيب أو رقيب .. مصيبة عدم اطمئنانهم إلى مستقبلهم الذي اعتقدوا أنه سيكون زاهراً لأن مؤسس “المستقبل” وعدهم ولم يتعوّد أن يخذلهم أو يتراجع عن وعد.

لم يسر الشباب والصبايا في ذلك اليوم المشهود خلف زعيم أو نائب فكلهم أصبحوا مهددين ورهائن لقرار الإعدام الذي قد يتخّذه القاتل ساعة يشاء .. لقد قرروا التحدّي وكسر القيد الذي طوّق أياديهم، وحبس طموحاتهم، ورهن مصيرهم ومنعهم من تحقيق استقلالهم، فكان ذلك اليوم بداية مسيرة الاستقلال الثاني، الاستقلال الحقيقي الذي أرادوا انتزاعه بالقوة، وإبلاغ القاتل رسالة واضحة لا لبس فيها: العدالة يجب أن تتحقق، والسيادة يجب أن تستعاد والاستقلال يجب أن يكون ناجزاً.
هذا ما هي عليه ذكرى “14 آذار”.

شعب سبق قادته إلى ساحة الحرية. شعب فاجأ قياداته التي صعقها المشهد المهيب والذي تسمّرت عيونهم أمامه غير مصدّقين. صمّت آذان القيادات بهتافات الحرية والسيادة والاستقلال. قرروا أن يكونوا معهم، وانضموا إليهم وليس العكس، ووضعوا نصب أعينهم الأهداف التي ما زالوا بعد ثماني سنوات يسعون إلى تحقيقها وإن كانوا حققوا اثنين منها.

لقد حققت حركة “14 آذار” هدفاً لم يكن يجول في خاطر أحد إمكانية تحقيقه: انسحاب الجيش السوري من لبنان بعد 29 عاماً من دخوله إليه، وانتزاع تفويض دولي عربي بالهيمنة على القرار السياسي والأمني فيه.

لقد كسر شعب “14 آذار” القرار الدولي، وفرض على العالم بأجمعه إرادته دفعه سحب التفويض الذي أعطي لسوريا، وطالبها بسحب جيشها من لبنان في أسرع وقت ممكن، فكان يوم السادس والعشرين من نيسان 2005 يوم “الجلاء” الحقيقي الذي احتفلوا به للمرة الأولى في العام 1946، لكنه بعد 60 عاماً، كانت له نكهة أكثر تميّزاً.

وحقق شعب “14 آذار” المحكمة الدولية، وهو أمل أنه بعد إعلان تأسيسها سوف يرتدع القاتل، ويفهم أن جرائمه لن تفلت من العقاب، لكنه لم يرتدع .. توفي باسل فليحان متأثراً بجروحه التي أصيب بها أثناء مرافقته للرئيس الشهيد رفيق الحريري، واغتيل سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني، بيار الجميل، وليد عيدو، انطوان غانم، فرنسوا الحاج، وسام عيد، وسام الحسن وحاولوا اغتيال الياس المر ومي شدياق.

دماء عزيزة سالت على مذبح الحرية والسيادة، قادة كانوا في صميم ثورة الأرز انسحبوا منها لأسباب مختلفة تراوحت بين الطمع والترهيب، لكن شعب “14 آذار” لا يزال متمسكاً بالمبادئ وساعياً وراء تحقيقها.

مطبات كثيرة عرقلت مسيرة الثورة الاستقلالية، لكن الثورات في التاريخ لم تحقق غاياتها يوماً من دون تكبّد أثمان غالية. أزمات متعددة واجهت القيادة السياسية لحركة “14 آذار” بدءاً من أمانتها العامة وأزمة تمثيل الأحزاب السياسية فيها، وصولاً إلى الأزمة الأكثر إيلاماً التي تسبّب بها مشروع قانون الانتخابات النيابية الفتنوي والتفتيتي المعروف زوراً باسم مشروع “اللقاء الارثوذكسي”، لكن شعب “14 آذار” لا يزال “رومانسياً” ويحلم بالمضي في مسيرة التحرّر والاستقلال، والعبور إلى الدولة القوية العادلة والقادرة، وطي صفحة المربعات الأمنية والمناطق المحظورة والأمن بالتراضي.

قادة رأي كتبوا ورقة نعي حركة “14 آذار” وقد يكونون مصيبين في وصف الحالة التي وصلت إليها القيادة السياسية لهذه الحركة .. لكنهم تجاهلوا إرادة شعب “14 آذار” التي إن دلّت على شيء منذ 8 أعوام ولا تزال تدل عليه إلى اليوم: الشعب ماض ومستمر في مسيرته ولن يتوقف عند خلاف بين قيادتهم من هنا أو اختلاف في وجهات النظر من هناك.

“14 آذار” في الذكرى الثامنة، حلم سيتحوّل إلى حقيقة مهما طال الزمن، ومهما بلغت التضحيات.
“14 آذار” في الذكرى الثامنة، مناسبة لإعادة تأكيد الثوابت، ودعوة إلى الجميع للتمسّك بها.
إنها مناسبة عزيزة .. ليس لقيادات “ثورة الأرز” بل لأبنائها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل