14 آذار.. باقية باقية باقية
الذاكرة لو تستعاد: يوم الازدواجات
|
|
||||||
الذاكرة حُكماً انتقائية، تتلاعب بالأبعاد والمعاني وآثار الأحداث. من بمستطاعه بعد ثماني سنوات على قومة الشعب اللبنانيّ يوم الرابع عشر من آذار أن يضبط انتقائية الذاكرة بعض الشيء ويعيدُ إلى ذلك اليوم بعضاً من حيويته، وينأى به قدر الإمكان عن قيد التجريد أو من سجن الأسطورة؟
من بمستطاعه أن يعيد تسجيل عنصر المفاجأة في هذا اليوم: يومها فاجأ الشعب اللبنانيّ نفسه بنفسه، في حشد مليوني غير مسبوق لا قبله ولا بعده في تاريخ لبنان، وبشكل متناصف إسلامياً ومسيحياً، ولو كان بشكل غير متوازن على الصعيد المذهبي. بهذا كان يوماً مزدوجاً: يجسّد التناصف بين “عنصري الأمة اللبنانية” (مسلمين ومسيحيّين) مع أنّه مصاب بانشقاق أهليّ بعمق الفتنة المذهبية العابرة للحدود، ويتمثّل بانعدام التوازن بين الخيارات الأكثرية في المجال السنّي وتلك الأكثرية في المجال الشيعي، ما يعود بشكل رئيسي إلى إيثار “حزب الله” و”حركة أمل” تشكيل ثنائي “تشكّري” للنظام السوريّ، ومعترض من الأساس على سردية الاستقلال اللبناني الثاني، من موقع سردية “ثقافة المقاومة والممانعة”.
كان الرابع عشر من آذار يوماً مزدوجاً على أكثر من صعيد. التجسيد الأمضى للمناصفة الإسلامية ـ المسيحية في مقابل عطب الانشقاق الأهلي المذهبي، لكنها كانت أيضاً لحظة الالتحام بين زمنين مختلفين، إسلامي ومسيحي، للفكرة الكيانية الاستقلالية اللبنانية. فأثناء مرحلة الوصاية السورية على لبنان، كان النصيب الرئيسي من المظالم يلحق بالقاعدة الأهلية الإسلامية، وبشكل أساسي السنّية، في حين كان النصيب الرئيسي من المظالم على المستوى القيادي يلحق بالمسيحيين، اغتيالاً ونفياً وسجناً. وتفاعل ذلك بشكل أو بآخر مع طريقين مختلفتين، مسيحية وإسلامية، لتأسيس الفكرة اللبنانية من ناحية، ولجعلها فكرة متوازنة بين جميع اللبنانيين من ناحية ثانية.
كذلك كان يوماً مزدوجاً على صعيد العلاقة بين المنبر وبين الناس. منبرياً، لم تكن القيادة الأساسية للحركة الاستقلالية قد تشكّلت بعد، سنياً بسبب الاغتيال، ومسيحياً بسبب السجن. وهنا، في كل عام، لا بدّ من التشديد على الدور الاستثنائي الذي لعبه وليد جنبلاط في هذه المرحلة الاستثنائية. وجماهيرياً، الناس التي احتشدت يومها بهذا الشكل الواسع قامت بذلك في ظل هيمنة جيش الوصاية السورية على لبنان، زائد شبكة “النظام الأمني” سيئة الذكر. كثير منهم كانت له معاناة شخصية ومباشرة مع أحد مظاهر الوصاية أو مع أحد معالم النظام الأمني، وجميعهم احتشدوا وقتها في ذكرى شهر على استشهاد الرئيس رفيق الحريري ليس فقط للمناداة بالحقيقة والعدالة، بل أيضاً لاعتبار جريمة اغتياله بمثابة تكثيف دمويّ لعذاباتهم هم، وكذلك السبيل لتحرّرهم من هذه العذابات، من خلال الدفع بسرعة باتجاه إخراج قوات النظام السوري من لبنان.
هنا أيضاً ثمّة ازدواج. هذا الجيش أخرجه الناس بالثورة الشعبية من لبنان، والذي عمد نظامه في أثر ذلك الى استكمال الحرب السرية ضد الاستقلال اللبناني بالتمادي في الاغتيالات والتفجيرات، وبالتكامل مع انطلاقة الثورة الداخلية المضادة للاستقلال الثاني من موقع مذهبي، وإيديولوجي، مرتبط تبعياً، وتكليفياً، لنظام الملالي الإيراني. لكن هذا الجيش هو اليوم جيشان. جيش حافظ وبشّار الأسد ارتكب الكثير من الشناعات في لبنان، لكنه في مرحلة انتفاضة الاستقلال وكثافة الضغوط العربية والدولية يومها لم يستطع إلا الانسحاب. أما في سوريا فتجاوز فيها هذا الجيش كل أشكال “القمع” التي يمكن أن يمارسها العسكر ضد شرائح واسعة من الشعب، بل ضد النسيج الأكثري لهذا الشعب. لكن هذا الجيش الذي كان واحداً في لبنان صار جيشين في سوريا. الجندي الذي كان على حاجز سوري في بيروت أو جبل لبنان أو البقاع أو الشمال قد يكون الآن في صف النظام، وقد يكون جندياً في الجيش السوري الحرّ. هذا الجندي الحرّ يرفع هو أيضاًً شعار التحرّر من الوصاية والاحتلال، الوصاية الفئوية والاحتلال الأسدي لسوريا.