صحيحٌ أن كل شعاراتنا كانت “نقاتل لنعيش أحراراً وليس لنموت”، لكن الحرب تلزمنا وفيها مخاطرة، وكنا نعرف أنه سيسقط لنا شهداء وسيبقى منا أيضاً أحياء، وفي كل مناسبة لا بد أن نتذكر هؤلاء الشهداء الأبطال، واليوم فكرنا يذهب إليهم، نتذكرهم ونتذكر الناس الذين عانوا المآسي اللبنانية، نتذكر المهجرين الذين لم يعودوا إلى الجبل، نتذكّر اللاجئين في اسرائيل ونتذكر الموقوفين الذين ما زالوا في السجون السورية، وسنبقى نجاهد حتى نحل هذه القضايا كافة.
لا يحق للبنان أن يشعر باستقلاله وسيادته وحريته في ظل أي حكم كان قبل إيجاد حل لهذه الحالات الإنسانية الثلاث وما دام هناك شخص واحد لم يعد إلى الجبل أو من إسرائيل أو من السجون السورية… ختم العماد ميشال عون.
أما اليوم وبعد أن أفقد الجنرال عونييه نصف ذاكرتهم وربط النصف الآخر ببقاء النظام السوري صاحب كلّ “الإنجازات” الآنفة الذكر، فماذا يقول؟ فهل من يجرؤ من تلك الحاشيّة على المطالبة بالعودة إلى المبادئ واحترام القيم التي على أساسها نشأت الحالة المقاوِمة للاحتلال السوري والتي عُرفت لاحقاً بالتيار الوطني الحرّ؟
هذه المجموعة التي قاومت الاحتلال السوري باللحم الحيّ واحتفلت بـ15 ذكرى لـ14 آذار قبل أن يأتي اليوم الحلم، ذلك اليوم المجيد الذي دفن خطوط التماس بين اللبنانيين، فتحول مأتم الشهيد رفيق الحريري ورفاقه من مأساة اغتيال أحد أبرز قادة لبنان إلى انتصار وطنٍ بين محطتيّ 14 أيلول 1982 و14 شباط 2005، وما سبقهما وما تخللهما من ارتقاءٍ لجباهٍ عالية سلكت طريق الشهادة، كمال جنبلاط، حسن خالد، ناظم القادري، رينيه معوض، شهداء 13 تشرين الذين لم يهربوا من قدرهم فكانوا شُعلة 14 آذار.
أصعب سؤال يواجهني، هل أنت 14 آذار؟ للوهلة الأولى يأتي الجواب العفوي، لا، أنا “تيار وطني حرّ”. كيف؟ الجنرال عون خرج من 14 آذار وأنت لم تعد معه… نعم هو خرج من 14 آذار وأخرج نفسه وناسه حتى من التيار، هم عونيون… أنا “تيار وطني حرّ” أنتمي إلى روحيّة 14 آذار منذ العام 1989، أتمسّك بمبادئ الحرية والسيادة والاستقلال… وأفتخِر.
لا شكّ في أن هدف النظام السوري وحليفه “حزب الله” هو ضرب هذه الروحيّة، فكانت الخطوة الأولى لحظة اجتذاب الجنرال للمحور “الممانع” بوعود جِدّ سخيّة وطريق شبه مُعبّدة لـ”رئاسة أسهل”. تحقق الهدف الأول بسلخ الجنرال عن كلّ ما يمتّ إلى 14 آذار بصِلة قبل أن يأتي “يوم السيد حسن المجيد” ويخرج على أثره وليد جنبلاط فيتحقق الهدف الثاني ويتبعه هدف نفي سعد الحريري المحبوك بإحكام ناهيك عن تأليب نجيب ميقاتي وأعوانه على ناخبيه في طرابلس لابتكار رئيس حكومة يرتدي “كرافات سنيّة” ويُساهم بشكلٍ أو بآخر في تنفيذ المشروع السوري ـ الإيراني الهادف إلى شرذمة هذه المكوّنات السيادية التي ساهمت بشكلٍ أساسي في إذلال النظام الأسدي وإخراجه مهزوماً في العام 2005 والهادف إلى تقزيم لبنان وجعله على صورة إيران الولي الفقيه ومثالها.
لا شيء كان ينقص هذه الخطة إلاّ قانون الفرز، الذي يهدف في ظاهره إلى فرز المذاهب وفي باطنه إلى إنهاء 14 آذار، نجحت الخطة لفترة قصيرة، فترة ارتدّت على أصحابها وسترتدّ أكثر فأكثر يوم تُعاد اللحمة إلى الجسم المتصدع وتعود معها الروح لتضُخّ الحياة من جديد، فهناك أكثرية صامتة من الشعب اللبناني تنبض بروحيّة 14 آذار حتى لو لم تُجاهر، أكثريّة غيرَ معنيّة بخلافات الحصص ولا مؤمنة بحرفيّة المحاصصة التي تضرب الجوهر ولا تخدم القضيّة الأساس. قضيّة الحفاظ على وحدة لبنان من دون تشريقه ولا تغريبه… هو لبنان الذي لا يُشبِه أحداً، ومسؤولية 14 آذار ومن يتطوع للانتساب إلى روحيّتها، الحفاظ على هذا اللبنان، كما أراده الشهداء من بشير الجميل إلى رفيق الحريري وما بينهما وما بعدهما، وكما استشهد من أجله مئات الآلاف كي يبقى سيداً حراً مستقلاً وأيضاً وأيضاً، آمناً مستقرّاً… فمع كلّ هذه العواصف والرعود، أنا متفائل ليس لشيء بلّ لأني لبنانيّ مؤمن بأن بلدي الصغير ـ الكبير أقوى من كلّ طغاة الأرض، مهما حاولوا.