#adsense

لهم فقط تبتسم أعين الشهداء

حجم الخط

كان ذلك اليوم تاريخياً بامتياز، 14 آذار 2005، يوم “الولاء للبنان والوفاء لرفيق الحريري”، لن يمحى من ذاكرة اللبنانيين، حيث لم يستطع “حزب الله” ومن لفّ لفّه في “شكر سوريا الأسد” في 8 آذار أن ينسيهم الرئيس الشهيد وباسل فليحان ورفاقهما الذين سقطوا في 14 شباط من ذلك العام, أو ينسيهم سمير وجورج وبيار وجبران وأنطوان ووليد ووسام الذين ساروا على الدرب وما هابوا الموت من أجل لبنان السيد الحر الموحد.

نعم قال الشعب الحي كلمته، فرفيق الحريري كان هناك ينبض في كل من تحدى الإجراءات الأمنية قادماً من الشمال والبقاع والجبل ومن الجنوب والعاصمة “الحلوة” بيروت، من كل الطوائف والمذاهب، ليعلن للقاتل بشار ولأذرعه الأمنية، أن لبنان لن يكون جزءاً من أنظمة الممانعة وولاية الفقيه, وأن الحلم باستقلال لبنان وقيامته سيستمر ويزدهر, وأن المستقبل الذي حلم به شباب الوطن لن تستطيع آلة الإجرام قتله في النفوس. نعم لقد رسم ذلك اليوم أفقاً جديداً أمام اللبنانيين المتعبين من نظام أمني دخيل على الحياة الديموقراطية التي عرفها اللبنانيون في تاريخهم قبل تفجير الحرب الأهلية وإشعال وقودها كلّما خبت نيرانها من قبل النظام “الجار” لغاية في نفس يعقوب لم تكن خافية على أحد.

كانت ساحة الشهداء… تنطق بما لا تستطيع القلوب أن تنطق به، وبما لا تستطيع العقول أن تخاطب به، لأول مرة. كان المجتمعون هناك ينطقون بلغة واحدة، يرفعون علماً واحداً، العلم اللبناني، كانت زهورهم البيض التي أهدوها للجيش اللبناني، وهم يقتحمون الساحة، أجمل تعبير عن حبهم للدولة، نعم للدولة التي غابت عنهم سنوات والتي بنى أسسها من جديد، الرئيس رفيق الحريري، عندما بنى الحجر من أجل البشر، عندما شقّ الطرقات وعمّر جسور الوحدة بين اللبنانيين وأزال من وسط العاصمة صورة الحرب وعمّر المدارس والجامعات, وعندما فرش السجاد الأحمر في السرايا ورمّم غرفها ووضع لوحات الفنانين اللبنانيين على جدرانها, وعندما أنقذ جيلاً من براثن القتل الأهلي، فعلّمه وأهّله، ليكون لبنان.

نعم، كل لبنان كان هناك، زحف الآلاف، مئات الآلاف، مليون وأكثر، كانت مفاجأة كبرى, زحف من كل أرجاء الوطن إلى قلب بيروت, وكان الوعد والعهد, وعليه صرخ الجميع من أجل الحقيقة والعدالة، وتردّد الصدى في أروقة الأمم المتحدة والعالم وفي المهاجر اللبنانية الأجنبية والعربية، كان ذلك اليوم ساحراً، أشبه بحورية البحر التي خرجت من الماء تحت السماء الزرقاء لتضرب بعصاها رؤوس اللبنانيين وتزيل منه الأنانيات والعقد والتزمت والتعصّب من أجل لبنان، فقط لبنان.

اليوم وبعد ثماني سنوات، لا بد من التذكير بما قيل، علّ الذكرى تنفع حتى لا يضيّع البعض البوصلة وحتى يعود ذلك الجمع الى الأصل، فقد أكدت النائب بهية الحريري “إننا سنقاتل من أجل لبنان السيد الحر ولن نتقاتل عليه”.

وأعلن النائب الشهيد جبران تويني قسمه الشهير: “نقسم بالله العظيم، مسلمين ومسيحيين، أن نبقى موحدين الى أبد الآبدين، دفاعاً عن لبنان العظيم”.

هذا غيض من فيض ذلك الكلام الذي قيل في لحظة ثورة الرابع عشر من آذار وولادة انتفاضة الاستقلال، وأياً كان اسمها فقد كانت شعاراتها واضحة: رفض الوصاية والهيمنة وإسقاط حكم المخابرات والأجهزة لمصلحة الدولة المستقلة والذي تابعته 14 آذار في خطابها السياسي عبر خارطة طريق توصلها الى بر الدولة المدنية. تغيّرت أمور كثيرة منذ ذلك الوقت، إلا أن الحلم لم يتحقق بالكامل، لكنه سيتحقق وأوهام بعضهم بالهيمنة عبر “القمصان السود” أو قوانين الانتخاب الطائفية والمذهبية أو عبر الانقلاب أو تقسيم 14 آذار وأخذها الى الفريق المقابل بالمفرق لن يجدي نفعاً, ويوم الأحد المقبل في احتفال البيال سيكون الكلام واضحاً، وسيكون المشهد جامعاً من جديد، كلام يؤكد المؤكد وهو الدفاع عن السيادة والحرية والديموقراطية وإعلان تماسك أركانها بغض النظر عن غياب قيادات الصف الأول لأسباب أمنية معروفة للجميع.

لا يزال هناك أمل، هو أمل صنعه اللبنانيون أنفسهم وجرّوا قيادات سياسية إليه والمعجزة التي صنعوها في 14 آذار قادرون على اختراعها في كل حين، لهم يعود القرار. لهم تنحني هامات المسؤولين ولهم فقط يخلّد الأرز وترفرف الأعلام وتبتسم أعين الشهداء.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل