نظّم معهد التاريخ في جامعة الروح القدس – الكسليك مؤتمره الدولي الثاني بعنوان: “الحضور اللبناني في العالم”، برعاية البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ممثلا في الافتتاح بالمطران بولس الصياح، في حضور المطران جورج ياغيان ممثلًا بطريرك الأرمن الكاثوليك نرسيس بيدروس التاسع عشر، المطران ميشال عون، النائب العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأب إميل عقيقي ممثلًا الرئيس العام للرهبانية الأباتي طنوس نعمة، رئيس الجامعة الأب هادي محفوظ، مدير معهد التاريخ في الجامعة الأب جان- مارون مغامس، بالإضافة إلى فعاليات دينية وعسكرية وديبلوماسية وتربوية واجتماعية وأعضاء مجلس الجامعة وجمع الأكاديميين المشاركين في المؤتمر من مختلف الجامعات اللبنانية والأجنبية.
افتتح المؤتمر بالنشيد الوطني اللبناني ثم كانت كلمة ترحيب للدكتورة ماريان نجيم من جامعة الروح القدس تحدثت فيها عن أهمية موضوع المؤتمر معتبرة أنه “يؤثر على الواقع التأسيسي للشعب اللبناني. وهذه حقيقة موروثة، إن أرضنا التي شرعت منها السفن الفينيقية عابرة أعمدة هرقل، تابعت طريقها إلى سواحل أفريقيا وأوروبا، وفتحت بذلك الحوض الشرقي من البحر الأبيض المتوسط إلى التاريخ”. ورأت نجيم أنه “في الواقع، سواء كانوا من الجيل الثاني أو الثالث، سواء كانوا شبابًا أو كبارًا، غرس المهاجرون اللبنانيون دينامية خلاقة وإنقاذية لبلدهم الأم كما لمختلف البلدان المضيفة”.
كما كانت كلمة لمدير معهد التاريخ الأب جان-مارون مغامس شرح فيها أن “هذا المؤتمر يهدف إلى معالجة موضوع الحضور اللبناني في العالم من المنظار السياسي الذي يكتسب معنى متعدد الأبعاد يغطي الاستراتيجيات الثقافية والفنية والأدبية والفلسفية والدينية والوطنية والإنسانية والعالمية”. فطرح التسأولات التالية حول الأحداث الكبيرة في العالم: “هل نحن نحضّر، في مستهلّ هذا العام، للبنان الجديد في قلب الألفية الجديدة؟ بمن نؤمن معًا؟ وماذا كنّا نعيش معًا؟” مشددًا على “أننا اليوم في مرحلة حساسة من تاريخ الشرق. هذا الشرق الذي أصبح مسرحًا أساسًا للعنف والديمقراطية والتحوّل نحو الحرية والهجرة والأحلام المتكسّرة. والدين والسياسة اللذان يفترض بهما أن يكونا ركيزة العالم، باتا غائبين”. وتابع: “إن الحضور اللبناني في العالم كان وسيبقى صدى المغامر الذي سلك درب المصالحة والاعتراف بالآخر والاحترام المتبادل، واضعًا بذلك أسس الحوار العابر للحدود وما بين الطوائف في حركة أزلية من التفاهم والانفتاح”. وختم الأب مغامس متمنيًا لهذا المؤتمر كامل النجاح وأن يكون الحضور اللبناني في العالم من أحجار الزاوية التي تبني ثروتنا الروحية والثقافية.
كما كانت كلمة لرئيس الجامعة الأب الدكتور هادي محفوظ الذي اشار إلى أنه “لطالما كان الكلام عن اللبنانيين، و”شطارتهم”، وحركتهم الناشطة والخلاقة واندماجهم في المجتمعات حيثما حلّوا، وإبداعهم في ميادين مختلفة. ولطالما كان الكلام عن سبب هجرة اللبنانيين في مراحل مختلفة” لافتًا إلى “أن جميع هذه الموضوعات جديرة بالدرس والتعمق لأنّها تساعد في فهم واقع مبين وتفاعل اجتماعي وتاريخيّ مهمّ في حياة الأفراد والجماعات”. وأكد “ليس لبنان البلد الوحيد الذي هاجر قسم من أبنائه متفاعلين مع المجتمعات المستضيفة. ولكنّ لبنان هو بلدنا وهو محطّ محبّتنا واهتمامنا في جامعة الروح القدس – الكسليك، لذا كانت فكرة تنظيم هذا المؤتمر. وإنّ معالجة هذا الموضوع يتمّ للمرّة الثانية بعد المؤتمر الأول السنة الماضية”. واختتم متوجهّا بالشكر والتقدير لمعهد التاريخ في الجامعة “الذي أحسن إذ انتقى موضوعًا يخاطب الماضي ويفعل فعله في الحاضر ويؤثّر مباشرة على المستقبل”، مشيدًا بمديره الأب جان مارون مغامس، “صاحب القلب الكبير والاندفاع المقدام، الذي جال في بلدان عديدة في الاغتراب، حاملًا راية رهبانيّته وكنيسته ووطنه، متفاعلا مع كل مجتمع حلّ فيه”.
واختتمت الجلسة الافتتاحية بكلمة ممثل راعي المؤتمر المطران بولس الصياح الذي نقل تحيات صاحب الغبطة الذي “أولاني شرف تمثيله فيما بينكم اليوم. ومعه نشكر الله على فجر جديد في الكنيسة يطل علينا هذه المرة من أميركا اللاتينية، من القطب الجنوبي، ونصلي من أجل الحبر الأعظم الجديد ليعضده الله فيكون حقًا، كمن يتطلع إليه العالم، راعيًا بحسب قلب الرب”. وتابع: “عندما نتكلم عن الحضور اللبناني في بلدان الانتشار يبادر إلى أذهاننا أولًا علاقتهم المادية بلبنان، ذلك أن جملة الذين يغادرون يقدمون على ذلك بحثًا عما يوفر لهم، وربما لمن خلفوا وراءهم أيضًا، ما يبحثون عنه من استقرار وعيش كريم. من أجل ذلك يقول العارفون أن ما يقارب ربع الدخل القومي في لبنان يأتينا من هؤلاء. ولكني خلال التجوال على اللبنانيين في العالم برفقة صاحب الغبطة بدا لي جليًا كم وفيرة هي أعداد اللبنانيين الذين يتخطى طموحهم هذه الحاجات المادية التي هي في قعر هرم ما يصبو إليه الإنسان. فتراهم غالبًا في مقدمة رجال وسيدات الاقتصاد وفي أعلى قمم العلم والسياسة والثقافة وفي أرفع مراكز الخدمة العامة. لماذا يبدع اللبنانيون غالبا في الخارج أكثر بكثير مما يفعلون في الداخل؟
وأضاف :”أود أولا أن أشير، بنوع خاص، إلى البعد الثقافي والأدبي في حياة المهاجر اللبناني، هذا المنحى الذي غالبًا ما يغيب عن أذهاننا. وقد ذكرني بذلك صحافيان لبنانيا هاجرا ولمع نجمهما في أرجاء الأم المتحدة في نيو يورك، وقررا إحياء صحيفة “المهاجر”، بدأً من هذا الشهر، تلك الصحيفة التي حررها جبران خليل جبران خلال فترة من الزمن، وكانت منبرًا لكبار من كتابنا اللبنانيين الذين خلفوا لنا ما سموه بأدب المهجر، والذين أغنى بعضهم الحضارة العالمية بتحف أدبية وفلسفية مميزة كالنبي ومرداد وسواهما، فتركوا لنا تراثا غنيًا جدًا ولكن غالبًا ما طغت عليه مسحة من الأسى والإحساس بالغربة والحنين إلى أرض الوطن.
وبعد افتتاح المعرض الفني والتاريخي حول الأمازون لجاك منسّا وايرينا نوفيتسكا- زين بدأت محاضرة الافتتاح التي أدارتها ماريان نجيم وتحدث فيها جاك منسّا، من الجامعة اللبنانية وجامعة الروح القدس عن “الحضور اللبناني في بلاد الأمازون”.
ثم بدأت الجلسة الأولى فأدارتها الدكتورة ميراي عيسى من جامعة الروح القدس وحاضر فيها الأستاذ عقل كيروز من جامعة سيدة اللويزة وجامعة الحكمة تحت عنوان “المهاجر اللبناني: ناقل الثقافات”. كما كانت مداخلة للأستاذ وايغند علم من الجامعة اللبنانية تناول فيها موضوع “الهجرة اللبنانية إلى أميركا اللاتينية: نموذجي الأرجنتين والبيرو”. واختتمت الجلسة بمحاضرة الأستاذ روبيرتو خطلب من جامعة الروح القدس تحت عنوان “اللبنانيون والقوة الاقتصادية والسياسية في أميركا اللاتينية: منطقة ناشئة”.
وعقدت الجلسة الثانية بإدارة الأستاذ أنطوان نجيم من جامعة الروح القدس فتحدث فيها بداية الأستاذ لويس حنينة من جامعة الروح القدس عن “القضايا السياسية للهجرة اللبنانية”؛ ثم حاضر الأستاذ بشارة يحشوشي من وزارة الخارجية، تحت عنوان “وزارة الخارجية والمغتربين واللبنانيون في القارات الخمس”. وفي الختام تحدث الأستاذ عبد الرؤوف سنّو من الجامعة اللبنانية فحاضر تحت عنوان “الهجرة الإسلامية خلال حرب لبنان: إشكالية الثقافة والاندماج”.
هذا وتستمر أعمال المؤتمر ليوم غد الجمعة، بمشاركة واسعة من الأساتذة من مختلف الجامعات اللبنانية والأجنبية.