#adsense

لن نفارق زمن..”اليوم الجميل”

حجم الخط

لم يعد بالامكان أكثر مما كان.. فالناس الذين صنعوا الثورة لم يعد بإمكانهم احتمال الخسارة مجدداً.. الخسارة لم تعد موضعية وتتراكم كما في السابق، بل تخطت كل الخسارات السابقة لتصل الى مفهوم بناء الدولة، وبدل التطور بالقوانين صار النقاش أي قانون انتخابي يحمي الطوائف بدلاً من أي قانون يطوّر الوطن ويعد بتخليصه من الفساد والنهب المنظمين.

لم يعد بالامكان انتظار الخسائر ان لم نسمها الهزائم كل مرة تحت مسميات مختلفة.. الناس الذين صنعوا الانتفاضة في تلك الأشهر التي سبقت وتلت “انفجار السان جورج” واجهوا أسوأ ما يمكن أن يواجهه انسان في العمل السياسي، لقد واجهوا “المخابرات السورية” بصدورهم، فليس أمرا عاديا أن تواجه رستم غزالي قائد المخابرات السورية في لبنان، مواجهة أتت بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بساعات قليلة، فالرعب يصيب الجميع إلا الناس حين يتوحدون ويصهرون قوتهم، ويحمون عيشهم.

كانت الجنازة التي حملت رفيق الحريري هي الطريق الوحيد إلى عبور الخوف وكسر الرعب، نحو التظاهر اليومي والاعتصام والاحتماء ببعضنا البعض، قرب الضريح.

كان الرعب ملكنا وحدنا، وكنا كذلك لا نحمل إلا رايات بيضا وحمراء نلفها على أكتافنا.. لم يكن هناك أمانة عامة ولا قيادات سياسية تتحكم بمسار الشارع، بل كان الشارع يصنع المعجزة ويقف وحيداً يحمي الوطن وفيه الناس والسياسيون.

هناك في ساحة الشهداء لم يكن ابن بيروت او ابن الجنوب أو أي منطقة لبنانية أخرى يهوى الموت، ولكنه كان جاهزاً لمواجهة كل الرعب الذي زرع منذ الدخول السوري الأول إلى لبنان في العام 1976. فصناعة الثورة كما في 14 آذار من العام 2005، لم تكن مرسومة ومجهزة على مقاس الشعب اللبناني، فالمواطنون حين ساروا في التظاهرات يوم 14 شباط بعد استشهاد رفيق الحريري لم يكونوا يعلمون أن هذه اللحظة الأولى لتحركهم ستفتح الباب على انتفاضة شعبية تغير معادلة استمرت ثلاثين عاماً، وهي معادلة احتلال لبنان من “نظام البعث السوري” لمدة 15 عاماً وانقلابه على الطائف وعدم انسحابه حسب ما يقتضي هذا الاتفاق لـ15 عاماً أخرى.

ولكنهم في الوقت نفسه وخلال الأسابيع التي تلت يوم التشييع وصولاً إلى يوم آذار كانوا يحلمون بوطن يجمعهم، بساحة الشهداء التي تحول اسمها إلى “ساحة الحرية”، رفعوا خلال سنواتهم الصعبة مشروع “العبور إلى الدولة”، ليتفاجأوا بعد سنوات أن مشروعاً طائفياً يقسّم ويفرّق بينهم يمكن أن يلغي كل الأحلام.
لم يعد بالامكان الانتظار أكثر، فالقوة التي صنعت التغيير ايماناً بمشروع الدولة ترى التفتت أمامها من دون قدرة على التغيير، مع أن الشارع غيّر الكثير في الاقليم المحيط بنا. التغيير الذي حاصر رستم غزالي نفسه “قائد الرعب” في رعب جديد اسمه “أطفال درعا”.

قد يسأل شبان “الانتفاضة” الذين ساروا في التظاهرات إن كان الخوف الذي دمروه ذلك اليوم، يمكنه أن ينتج رعباً أعنف بعد ثماني سنوات من “الاستقلال”، رعباً يمحي صورة “الأبيض والأحمر” التي رسمها سمير قصير وحكمت العيد.. يوم واحد لطرد الخوف.. وثماني سنوات لإعادة الخوف أقوى بغياب مشروع المواطنية.
لم يذهب الخوف لدى اللبنانيين في لحظة واحدة. كانوا جميعاً يعلمون أن القاتل لا يهابهم، ويستطيع بدل المجزرة أن يقوم بعشرة مذابح من دون أن يرف له جفن، ولكن حجم عملية “السان جورج” أوقف الناس أمام أمرين لا ثالث لهما، إما ان يقتلوهم كلهم كعادتهم أو يتحرر الوطن ويحصلون على استقلالهم. إدراك المصير المرعب لدى اللبنانيين كان يساهم مباشرة في اتخاذهم هذا القرار بتكملة معركة الاستقلال، لأن الرعب إذا تمت مواجهته يتحوّل إلى “خرقة ممزقة”. لم يكن أحد يعلم أن الوطن ذاهب إلى ثورة ويوم تاريخي مثل 14 آذار، كان تطور المعركة وانتماء الناس إلى الشارع وساحة الشهداء إعادة للحياة. يوميات “الانتفاضة” التي قاموا بها قبل 14 آذار كانت للتراكم، ولكن هذا التراكم ترجم ذلك اليوم التاريخي كصورة للوطن الذي يريده اللبنانيون. قبل هذا اليوم يسجل التاريخ شهراً يعود إلى 14 شباط 2005، وقبل هذا الشهر يسجل التاريخ ثلاثين عاماً من قتل وطن، ومنع ناسه من الحياة الكريمة.

هو التراكم نفسه الذي يعيد صنع “رعب” اليوم.. ليس بالسلاح وحده، ولا بانقلاب القمصان السود، ولا كذلك بالذقون الممتدة.. كلها تجمّعت، وزاد فوقها غياب مشروع متماسك يحمل الأمل ويضع على الطريق فعلاً مشروع “العبور إلى الدولة”.

“هم” المخابرات السورية صنعوا خوفاً رحل في لحظة واحدة، و”هم” الجدد صنعوا خوفاً من خلال مشاريع قوانين وقطع طرقات وحروب متنقلة من ضواحي دمشق إلى “القصير” ليطيحوا بإمكانية البحث عن دولة مدنية.. إنهم لا يطيحون فقط الاحلام، بل هم ينزعون عن هذه الأرض صفة الوطن وما فيه. يصنعون معجزتهم ويرمونها خوفاً فوق رؤوسنا، فيذهب البعض للالتحاق بالخوف والطوائفية.

جاء الاغتيال في 14 شباط، ويوم آذار ليبنيا قناعة جديدة لدى الناس بتغيير الحالة وتراكمها عبر سنوات طويلة، فمع دفن رفيق الحريري دفن الناس شهداءهم وقتلاهم في الحرب الأهلية، انتموا إلى وطن كانوا يعتقدون أنهم يدفعون ثمن الحفاظ عليه بسكوتهم، ولكن مع جريمة “السان جورج” تغير أسلوب الدفاع عن لبنان لدى المواطنين، فبدلاً من السكوت والجلوس في المنازل، صارت “عرسال” تتظاهر ويعتقل أبناؤها كما بيروت وعكار وكل لبنان، صار اللبنانيون في صراع مع فكرة انتهاء العزاء بعد ثلاثة أيام والرحيل إلى بيوتهم أو البقاء في الشارع، متظاهرين بانتفاضة سلمية كانت مفاجأة للنظام السوري وأعوانه، كان على المواطنين البقاء في الشارع ليمنعوا الاغتيال السياسي، جاءت الانتفاضة لتؤكد أن الدم لا يخيف، والقتل لا يهزم عشاق الحرية، فتواترت أيامهم ليصلوا إلى 14 آذار موعدهم مع التوحد أحراراً في بيروت.

اليوم لا يحتاج الناس إلى دم جديد ليقفوا، ولا إلى خسارة كبيرة، فالخسارة الواقعة على رؤوسهم تقطع عنهم فكرة الاحساس بالنصر، والغياب السياسي الكلي يجعلهم يذهبون في اتجاهات ومواقف كانوا يرفضونها قبل عام فقط…

هم اليوم بحاجة لوقف هذا الانهيار الذي يؤخذ وطنهم إليه، بحاجة أن يعيدوا لـ”ثورتهم” رؤيتها المتجددة، التي تمنع الانزلاق في الحرب السورية، وتمنع سيطرة متسلقي الدين على الشوارع وتقطعها.

ليس من السلاح وحده من يصنع “تقوقع” المواطنية.. هناك أشياء عديدة يجب قطعها اليوم قبل الغد.. والقطع يكون بصناعة ثورة جديدة تجدد المفاهيم السياسية التي يحلم بها أكثر اللبنانيين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل