الأرجح أنّ الحزب قد اتّخذ هذا الموقف لدعم العماد ميشال عون الذي يراقب، منذ ما بعد مرور القانون الأرثوذكسي في اللجان النيابية، كيف تجري الاتصالات بين الرئيس نبيه برّي وتيار “المستقبل” والنائب وليد جنبلاط حول القانون المختلط. هذه الاتصالات لم تصِل الى صيغة توافقية حتى الآن، لكنّها بدأت تقترب من طَي صفحة القانون الأرثوذكسي، على مرأى من الأطراف التي كانت تأمل في أن يكون رأس جسر يقود إلى تفكيك قوى “14 آذار”.
بقراره المتأخّر لإمساك المبادرة في قانون الانتخاب، استطاع تيار “المستقبل” أن يطلق نقاشاً، ولَو بالواسطة، بين جنبلاط ومسيحيّي “14 آذار”، كما استطاع حَشر بقية الأطراف المعارضة ضمناً لـ”الأرثوذكسي” في زاوية ضيقة.
النقاش حول المختلط قطع شوطاً كبيراً من التوافق بين “المستقبل” و”القوات اللبنانية”، وهذا النقاش بات يتركّز الآن على إعادة توزيع مقاعد من الأكثري الى النسبي. فعلى سبيل المثال، يعترض تيار “المستقبل” على الصيغة التي وردت في قانون الرئيس نبيه برّي لجهة توزيع النواب العشرة في الدائرة الثالثة. ففي حين وَردَ في هذا التوزيع انتخاب نائبين على أساس القانون الأكثري، وثمانية على أساس النسبي، يُطالب “المستقبل” بانتخاب أربعة مقاعد سنّية من أصل خمسة في هذه الدائرة على اساس الأكثري.
أما في طرابلس، فيريد تيار “المستقبل” انتخاب ثلاثة من المقاعد السنّية الخمسة على أساس الأكثري، فيما نصّ قانون برّي على العكس، أي على انتخاب ثلاثة منهم وفق القانون النسبي.
الخلاف الآخر الذي لا يزال قائماً يتعلّق بتقسيم المحافظات. فتيار “المستقبل” يعترض على تقسيم المحافظات الست التي سيجري على أساسها انتخاب النوّاب وفق النظام النسبي، ويريد أن يكون التقسيم تسع محافظات، بفَصل عكار عن الشمال، وبعلبك – الهرمل عن البقاع، وجعل صيدا – جزين – صور – الزهراني محافظة انتخابية.
ويبقى السؤال هل ستؤدي الاتصالات في الساعات الأخيرة الى بلورة توافق حول قانون الانتخاب يشترك فيه جنبلاط وتيار “المستقبل” ومسيحيّي “14 آذار” والرئيس برّي؟
إذا كان من المُبكِر الجَزم بحصول هذا التوافق، فإنّ من اللاواقعية الذهاب الى تخَيّل أن تكون حركة برّي قد أخذت هذا الهامش الواسع من المناورة في العلاقة مع “حزب الله”، خصوصاً في ما يتعلق بتعهدات علنية قطعها السيّد حسن نصرالله للعماد عون بتمرير “الأرثوذكسي”.
لكن السؤال المطروح: ماذا لو لعب الرئيس برّي على وَتر تعذّر وجود أكثرية كافية للتصويت على “الأرثوذكسي”، للامتناع عن دعوة الهيئة العامة، خصوصاً أن جنبلاط اقترب أكثر من تيار “المستقبل” ومن مسيحيّي “14 آذار”، مع ما يعنيه هذا الاقتراب من تَشَتّت الأكثرية البرلمانية المؤيدة لـ”الأرثوذكسي”، بفِعل نَيل “القوات” و”الكتائب” قانوناً مختلطاً يرفع التمثيل المسيحي إلى أكثر من 55 نائباً بأصوات المسيحيين؟
لقد شكّل إعلان بعض العونيين عن رفض أيّ صيغة للقانون المختلط، محاولة لقطع الطريق على الرئيس برّي (وليس على تيار “المستقبل”) لاستكمال الاتصالات بُغية الوصول الى قانون توافقي. وإذا ما لَحق “حزب الله” بالعونيين، وهذا هو المرجّح، فإنّ السيناريوهات التالية ستنتقل الى مزيد من التلويح بالعنف والفوضى في الشارع، لمحاولة تأجيل الانتخابات بذريعة عدم القدرة على إجرائها لأسباب أمنية.
عندها، يكون “حزب الله” قد نجح، من وراء طرح “الأرثوذكسي”، في الوصول الى الهدف الأكبر وهو تأجيل الانتخابات وإبقاء القديم على قِدَمه، لأنّ هذا القديم يمثّل الوضع الأفضل بالنسبة إلى الحزب، في مرحلة ما بعد الثورة السورية.