عندما تصير 14 آذار فكرة أوسع من رُوَّادها!

14آذار في ذكراها الثامنة، وكأنها صارت أبعد من تكتل، أو تجمع فيه من المشتركات على قدر ما فيه من المفترقات. الأبقى فيها أن دم الشهيد الرئيس رفيق الحريري هو الذي فجرها وغذاها الشهداء الآخرون من سمير قصير إلى جورج حاوي، إلى جبران تويني، ووليد عيدو وبيار أمين الجميل وانطوان غانم، وسامر حنا وصولاً إلى وسام الحسن. هؤلاء فرشوا الدروب أمام 14 آذار التي تمكنت عندما كانت عصبة مشدودة من إجلاء جيش الوصاية السورية عن لبنان. وإجراء انتخابات وتحرير الساحات والألسنة والأفكار والاحتجاجات وارساء الاستقلال الثاني والسيادة… اللذين حاربهما حزب “التحرير” المزعوم ووضع سدوداً بين الاستقلاليين وبين حزبه “المؤله” الذي “حرر” الجنوب وسلّمه إلى إيران والنظام السوري…أي أحّل احتلالين بدلاً من احتلال واحد! رائع! يا رواد التحرير!

قلنا إن 14 آذار تجاوزت كونها تكتلاً أو تجمعاً يضم من يضم من أطياف. فمثل هذه التكتلات قد تصاب بوحدتها، وبجمعها. فاللحظة التاريخية التي فجرت 14 آذار، تبدو لحظة تاريخية مفتوحة بلا زمن وحتى بلا أمكنة. ولا جغرافيا ولا حدود.

14 آذار صارت فكرة. وضميراً. أكثر منها مجرد “موقف” أو موقع. فالفكرة جوهر، والأحزاب الجمعية على تحوّل، أو على تراجع، او على تقدم، أو على انكفاء.
هذه الفكرة التي غادرت امكنتها (وحفظت شهداءَها) وناسها، تُصبح اوسعَ من مكاسب، ومن حسابات الدكاكين، والمصالح. لأنها بخفة الهواء وقوة الجبال. تنتشر بين الناس وتصبح من أفكارهم ومن عاداتهم، ومن خصالهم ومن طبائعهم ومن أعمالهم ومن مسالكهم. ففكرة الاستقلال صارت حقيقية بعدما كانت “حلماً” ممنوعاًَ. وفكرة السيادة صارت واقعاً بعدما كانت من الأوهام. وتحرير الشوارع والساحات والاعلام باتت مرئية ومسموعة تنبض بالجموع، والمتظاهرين بعدما كانت محرمة من الوصاية السورية، وشقيقتها الإيرانية و8 آذار. وقضية سلاح حزب الله لم يعد سلاح “مقاومة”. لا مقدساً. ولا إلهياً. ولا لبنانياً ولا عربياً. صار نزع هذا السلاح وتسليمه للجيش فكرة دائمة وملحاحة وضرورية… تتطور خصوصاً بعدما غزا به حزب إيران وسوريا العاصمة والجبل في 7 أيار الصهيوني المجيد. وصارت الحرية من خبز الناس اليومي إذا انقطعت عنهم كأنما انقطع عنهم العيش او الحياة او الهواء. وفكرة العروبة الحضارية التعددية الديموقراطية المفتوحة باتت من أسلحة المواجهة مع الأطماع الفارسية (ولاية الفقيه المذهبية أقرب إلى القومية الفارسية منها إلى “الشيعية” التي تستعملها كجواز سفر مزور لاقتحام العالم العربي). وصارت الاحتجاجات السلمية أكثر من فكرة واكثر من ناسها. صارت هوية المجتمع المدني بل صارت طريقة نضال في مواجهة سلاح حزب إيران وسلاح النظام السوري. وأكثر: الزواج المدني أسقط كل الاتهامات الموجودة “الدينية” والروحية والاجتماعية والقانونية وسلك إلى كل الأمكنة. وهنا نُنوّه بموقف الرئيس سعد الحريري بتأييده الزواج المدني. (وهو أول رئيس حكومة سني يحطم التابوات المزروعة لاقرار هذا القانون). ونظن إنها للمرة الأولى بعد 14 آذار التي صارت “المعارضة” فكرة لازبة للحياة السياسية، بعدما كانت تتم خلف الكواليس او في المنافي، في ظل هيمنة الحزب الواحد (البعثي) وكذلك ولاية الفقيه على مقدرات البلاد… المعارضة المعلنة في مجلس النواب، (والحكومة) والساحات والاعلام باتت الوجه النقيض الآخر للشمولية الاستبدادية مقابل التعددية الديموقراطية المفتوحة. هذه الفكرة ترسخت وان كان حزب السلاح الذي يغزو دولة عربية اليوم بذهنية صهيونية يحاول مقاومة كل تعددية في كانتونه الأحادي او في ذهنيته المفصومة. نورد مثل هذه الأمور لا لنشير إلى مكاسب أو انجازات فحسب، وانما إلى بلورة هذه الظواهر ضمن سياقات فكرية، خاضعة للممارسة والمحاسبة والتطوير. فالحرية تبقى هيولى إذا لم تتجسد في فكرة ديموقراطية… وكذلك السيادة والعدالة… والقوانين صارت أفكار الناس ووصلت إلى الربيع العربي المبارك، صارت طريقة تفكير (والفكرةُ تفكّر) وطريقة حياة وطريقة مواجهة… وطريقة وجود.

لهذا، لم يعد من الشواغل ان نتساءل من افرنقع عن 14 آذار.. ومن لم يفرنقع ومن صَمَدَ، ومن يبقى ومن انتقل، فالفكرة عادة أوسع من مناسباتها وظروفها!
الفكرة هي الحقيقة. لأن الحقائق الكبرى هي التي تغادر أحياناً، أصحَابها ورُوَّادها، إلى الجموع والعقول.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل