#adsense

المفتي قباني لميقاتي: اعلم أنك موقوف بين يدي الله والله سائلك عما ائتمنت

حجم الخط

وجه مفتي الجمهورية اللبنانية رئيس المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى الشيخ محمد قباني، رسالة الى رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي جاء فيها:

“السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، القوي في قهره، الحكم العدل، سبحانه الذي حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرما، وبعد:

فإن كل إنسان مسؤول يحمل أمانة في عنقه، إن كان حاكما أم رجلا أم امرأة، فهو مسؤول عما استرعي عليه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”.

دولة الرئيس،

لقد تبلغت نسخة من البيان الذي صدر عن اجتماع أصحاب الدولة بتاريخ 13/3/2013، وتقديرا مني لمقام رئاسة مجلس الوزراء، هذا المقام الذي جهدت للمحافظة عليه خلال سنوات ولايتي في سدة الإفتاء في الجمهورية اللبنانية، فإني أود أن أوضح لدولتكم ولأصحاب الدولة بعض النقاط، وأن أشدد على أخرى:

أولا: إن دعوة المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى السابق الى الانعقاد غير صحيحة، لأن ولايته الأصلية منتهية، وكذلك ولايته الممددة (ولسنا هنا في صدد إثبات ذلك). وبالتالي فهي ليست عملا قانونيا وفقا للقوانين التي ترعى شؤون المسلمين السنة، ولاسيما المرسوم الاشتراعي رقم 18/1955.

ثانيا: إن مرحلة تصريف الأعمال للمجلس الأخير هي الطريقة الوحيدة الكفيلة بعدم شل عمل المجلس الشرعي بشكل كامل خلال المهل المحددة بموجب القانون إلى حين انتخاب مجلس جديد، ولا فراغ في المجلس الشرعي إذا قام أعضاؤه بواجبهم في مرحلة تصريف الأعمال كما هو الشأن في المجالس والحكومات بعد انتهاء ولايتها وقبل انتخاباتها، وإن رفض معظم أعضاء المجلس الأخير تصريف الأعمال، وانشغالهم بوضع العراقيل لمنعنا من تحقيق عملية انتخاب المجلس الشرعي الجديد هو ما يتسبب حقيقة بشل فاعلية مؤسسة المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى.

ثالثا: إن وحدة الطائفة محفوظة، وكرامتها مصونة، ومصلحتها العامة مرعية، بشخص مفتي الجمهورية اللبنانية ودوره كرئيس ديني للمسلمين وللمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، ودور الإخوة علماء الشرع الحنيف في مؤسساتنا وفي المجتمع، ودور أصحاب الدولة رؤساء الحكومات، ودور الرجالات الإسلامية الكبيرة والكثيرة، هذا الدور الواحد الذي لابد من تكاتفه وتوجيهه نحو الحفاظ على مؤسساتنا والقوانين والأنظمة التي ترعاها، لا نحو إلغاء أي من تلك الأدوار التي تتطلب المصلحة العليا تكاملها مع بعضها في كل حين.

رابعا: إن إصرار مفتي الجمهورية الدائم والمستمر يتعلق حصرا بتنفيذ القانون والقاضي بإجراء انتخابات لأعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى التزاما منه بواجبه ودوره في صون القوانين وتنفيذها وعملا بمبدأ المداورة، وإن من يجهد ويسارع للطعن بدعوات مفتي الجمهورية المتكررة للهيئات الناخبة لإجراء انتخابات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى هي وحدها الجهة التي تصر إصرارا منقطع النظير على تعطيل عمل المجلس الشرعي، والسؤال الكبير يا دولة الرئيس: هل الدعوة الى الانتخابات هي المشكلة؟ وهل الالتزام بالقوانين مشكلة أم التحايل عليها من البعض كما تعلمون والتلاعب بها هو المشكلة؟

خامسا: نرى أن إصرار مفتي الجمهورية على إجراء الانتخابات فيه مصلحة المسلمين السنة ومؤسساتهم، وأما من يصر على تعطيل الانتخابات فهو وحده من يتحمل مسؤولية ما يحصل من التعطيل، خاصة وأن البعض يضع مسألة تقنين التمديد الغير الشرعي للمجلس الأخير فوق كل الاعتبارات القانونية التي تفرض اجراء الانتخابات في اسرع وقت، وما إصرار هؤلاء البعض إلا لتحقيق بعض المصالح الخاصة المرتجاة، لأن إصرار مفتي الجمهورية على إجراء الانتخابات ينبع أيضا من إدراكه التام للمخاوف نفسها التي تعتري أصحاب الدولة مما ستؤول إليه أوضاع الطائفة من جراء تلك المحاولات لزعزعة وحدتها وضرب استقرارها ونسف مؤسساتها، الأمر الذي يبني عليه مفتي الجمهورية موقفه الإيجابي لناحية إجراء الانتخابات كما يبني عليه موقفه السلبي من دعوة المجلس المنتهية ولايته قانونا للانعقاد.

سادسا: إن مفتي الجمهورية ومنذ بداية العام الجاري قد حمل إلى أصحاب الدولة في كل مرة اقتراح عقد لقاء يضم أعضاء المجلس الشرعي الأخير المنتهية ولايتهم إلى جانب أصحاب الدولة رؤساء الحكومات، ومفتي الجمهورية هو صاحب الدعوة ليكون هذا اللقاء نواة لتوحيد الصف ونبذ الخلافات وللتوافق على إجراء انتخابات المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وذلك خارج إطار جلسة للمجلس المتعذر عقدها بسبب انتهاء ولاية المجلس إلا لتصريف الأعمال، إلا أنني تبلغت في كل مرة رفض أصحاب الدولة وعبر رئيس الحكومة لهذا الاقتراح، وتأكيد إصرار أصحاب الدولة على عقد جلسة للمجلس وتقرير استمرار ولاية المجلس الأخير رغم انتهاء ولايته.

سابعا: إن أصحاب الدولة بموقعهم السياسي والاجتماعي وبكونهم الأعضاء الطبيعيين في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى هم المؤتمنون مع مفتي الجمهورية على تطبيق القانون والأنظمة، وبالتالي لا بد لهم من قطع الطريق على كل المحاولات لتمرير تقنين التمديد غير الشرعي للمجلس الشرعي الأخير، ولا يجوز إسقاط حق الهيئة الناخبة بانتخاب مجلس جديد بتمديد المجلس الأخير لنفسه استنسابيا حتى صارت ولايتهم لسبع سنوات بدلا من أربعة, وهم في ادعاء تمديدهم لهذا العام تكون ولايتهم لثماني سنوات!

ثامنا: إن شخص مفتي الجمهورية هو الأحرص على مقام مفتي الجمهورية وموقعه الديني والوطني المترفع عن الخلافات والصراعات ومصالح السياسيين الآنية والضيقة، وهو يمارس مهماته انطلاقا من المصلحة الإسلامية العليا ومن الوازع الشرعي والديني، ومن باب درء المفاسد، وبالتالي فإن مفتي الجمهورية يلفت عناية أصحاب الدولة رؤساء الحكومات إلى ضرورة رص الصفوف للحفاظ على موقع مفتي الجمهورية، وأن لا يألوا جهدا مجتمعين ليكونوا الصف الأول في مواجهة محاولات الافتراء على مفتي الجمهورية ومحاولات تشويه صورته الشخصية وصورة دوره الإسلامي والوطني ودوره في المؤسسات، والأهم من ذلك التصدي لمحاولات تقزيم مقامه، وهو الرئيس الديني للمسلمين في لبنان والمرجع الأعلى للأوقاف الإسلامية ورئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وتقويض صلاحياته من أجل المحافظة على مقام مفتي الجمهورية الديني والوطني.

تاسعا: أصبح فعلا من الملح جدا ومن الضروري، إتمام عملية الإعداد واتخاذ القرارات الإجرائية اللازمة لمباشرة عملية انتخاب المجالس الإدارية المحلية للأوقاف الإسلامية وإنجاز انتخاب المفتين المحليين في المراكز الشاغرة، وبالتالي فإن إتمام عملية انتخاب مجلس شرعي جديد صارت الأولوية القصوى أمامنا اليوم لكي نبني المؤسسات والمواقع وفقا للقانون، ومن ثم انتخاب المفتين والمجالس الإدارية بحسب الأصول، فإذا ما قبلنا بمجلس ممدد له خارج القانون، فإننا حينها نكون كمن يقبل ببناء كله باطل، وقابل للطعن.

عاشرا: إن اكتمال العملية الانتخابية لكل الهيئات، ابتداء بالمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الذي يعاني الفراغ إثر انتهاء ولاية المجلس الأخير، إلا من تصريف الأعمال، هو وحده الكفيل بإنتاج الجسم المعبر عن الإرادة الحقيقية للطائفة، ذلك الجسم القادر على إنجاز عملية تطوير المؤسسات الدينية والوقفية وتحديثها مع ما يرافق هذه العملية من تطوير وتحديث للأنظمة والقوانين، والتي نحن بأمس الحاجة إليها منذ الأمس البعيد.

حادي عشر: إن مفتي الجمهورية، إذ يشكر لأصحاب الدولة حرصهم على مقام الإفتاء ومؤسسات المسلمين، إلا أنه يسجل عتبه على البيان الصادر عن اجتماع أصحاب الدولة الأخير في تاريخ 13/3/2013، لما تضمنه من لهجة تحمل في طياتها معاني التهديد والتلويح بإجراءات متمنيا على أصحاب الدولة أن يشمل حرصهم على مقام الإفتاء البيانات التي توزع باسمهم، وأن يحافظوا على التمسك بروح التعاون في معالجة أمور المسلمين ومؤسساتهم، ومشددا على التمسك بنص المرسوم 18/1955 وتعديلاته ونصوص القوانين التي ترعى لمفتي الجمهورية موقعه وصلاحياته وسلطته، والتي لا تلحظ وجود سلطة وصاية على الموقع أو سلطة إجرائية إزاء ممارسته لصلاحياته ومهامه وتنفيذه للقوانين.

دولة الرئيس، أصحاب الدولة،

لقد قال النبي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها (إي يتزوجها) فهجرته إلى ما هاجر إليه”، فلتكن هجرتنا جميعا إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلنعمل يدا واحدة على تحقيق الخير لهذه الطائفة ومؤسساتها ولهذا الوطن، فإن المسلمين ركيزة أساسية في ركائز الوطن التي لو اهتزت إحداها لتصدع كيان الوطن، ولنمض سويا في إنجاز انتخابات المجلس الشرعي التي دعا مفتي الجمهورية الهيئات الناخبة لإجرائها في الرابع عشر من شهر نيسان المقبل، ولنتعاون جميعا وأعضاء المجلس الشرعي الأخير على استكمال هذا الاستحقاق. هذه دعوتي لكم وتقديرا مني لجهودكم في المحافظة على المؤسسات، ولقلقكم من عواقب الأزمة القائمة، ولحرصكم الكبير على تحقيق التطوير والتحديث لمؤسساتنا.

واعلم يا دولة الرئيس، أنك موقوف بين يدي الله تعالى، والله سائلك عما ائتمنت عليه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، فأعد لكل مسألة جوابها. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، إنه تبارك وتعالى نعم الموفق ونعم المعين، وهو رب العرش العظيم”.

المصدر:
وكالات

خبر عاجل