#adsense

حبريّة الظل الجنوبي المشرق

حجم الخط

مختاراً ذهب بينيديكتوس السادس عشر الى “آخر اصقاع الارض”، الى الظل حيث التأمل والسكينة، ومن “آخر اصقاع الارض” جاء خليفته الارجنتيني فرنسيس الاول، الذي سرعان ما عرف العالم انه كان دائماً يتوق الى الظل كيفما تصرف وتحرك وأينما أقام في التواضع بلا خدم او سيارة، جالساً بصمت وسكينة سواء في الميترو مع البسطاء في بيونس ايرس او مستمعاً بهدوء في الاجتماعات الكاردينالية.

لم يكن الكاردينال خورخي ماريو برغوليو “مقاتلاً” في كنيسة اميركا اللاتينية التي سبق ان عرفت قساوسة حملوا رمح “مار الياس” في وجه تنين السلطة السياسية والديكتاتوريات، لم يقترب مثل غيره من الاساقفة من “اللون الاحمر” لكنه بالتأكيد تألم وذرف كثيراً من الدموع والصلوات وهو يستمع الى اغنية  لا تبكي من أجلي يا ارجنتين. don’t cry for me Argentina”

واذا كان قد آثر الصلاة والصمت و”الركون الى الانجيل واليقين”، كردّ على وحشية السياسات ينبع من روح المسيح “وأدر له الخد الايسر”، إلا انه كان على خصام مع سلطة العسف فلم يتردد يوماً في توجيه الانتقاد الى الفساد والرشوة والفقر المتوحش الذي يأوي مع البسطاء والضعفاء يقاسمهم وسائد القهر والألم.

“استدعوني من آخر الارض”، هذه الكلمات القليلة تشكل تعبيراً عن التواضع الجمّ الذي يحمله معه من الظل، لكنها كلمات كبيرة وعميقة ستشكل عنوان حبرية هذا البابا، الذي طلب من الجموع ان تصلي له ومن اجله وان تمنحه بركتها، قبل ان يصلي هو لها ويمنحها بركته، ربما لأنه يعرف صعوبة ما ينتظره. فاذا كان بيان اساقفة اميركا قد اعتبر ان البابا فرنسيس الاول يشكل “مرحلة مهمة في تاريخ الكنيسة ورمزاً لوحدة الكاثوليك”، فان اوساطاً كنسية اخرى مثل “كاثوليكس فور تشويس” تنتظر بفارغ الصبر ما ستكون اولوياته وهي تدعو الى فتح ابواب الفاتيكان لحل المشاكل، وخصوصاً مشكلة مصرف الفاتيكان وفضائح التحرش الجنسي التي احرجت الكنيسة كثيراً.

الانطباع الذي تركه فرنسيس الاول في اطلالته الاولى لدى المسيحيين في العالم، ليس انه يحمل في عمق ايمانه وعلاقته بالمسيح اثقال آلام المهمشين والمعدمين والمسحوقين فحسب، كونه يأتي من الجنوب، وفي الجنوب علّق الكثيرون ويعلّقون على خشبة الجور والقهر، بل انه سيعمل على الاقل لكي لا تكون “آخر اصقاع الارض” التي جيء به منها، الاكثر تعاسة والماً وفقراً في الارض، ذلك ان السيد المسيح اعطى قلبه وفكره للفقراء قبل ان يعطي حياته للخلاص الانساني المطلق.
صحيح ان فرنسيس الاول انحنى من شرفته البابوية امام الجماهير والعالم، لكن كان واضحاً ان تقاسيم وجهه كانت تقول ها انا بابا روما انحني امامكم من ساحة الفاتيكان الى آخر اصقاع الارض.

المصدر:
النهار

خبر عاجل