Site icon Lebanese Forces Official Website

ماذا وراء الاعتصامات المتكررة

لا شك في ان اللبنانيين عموماً يتبرمون من تحركات اساتذة المدارس الرسمية وهم يتعجبون من موقف ممثلي حزب الله وحركة امل في مناسبات تشديد المطالب ومدارس الحزب والمدارس التي تتأثر بقرارات حركة امل لم تقفل ابوابها واساتذتها لا يشاركون في المسيرات، وحدهم نواب حزب الله وحركة امل والتيار الوطني الحر شاركوا في خطب يوم المعلم في قصر الاونيسكو.

اساتذة المدارس الرسمية لهم الحق في زيادات غلاء المعيشة لا اكثر، فهم يتجاهلون الواقع المذهل المتمثل بحشو كادرات المعلمين بحيث صار لكل سبعة تلامذة استاذ وبعض المدارس الرسمية لديها اساتذة يفوق عددهم عدد التلامذة.

ونقيب معلمي المدارس الخاصة صرح أكثر من مرة بان عدد التلامذة لكل استاذ في المدارس الخاصة هو 30 تلميذاً او اكثر، فلو افترضنا نظرياً ان عدد اساتذة المدارس الرسمية ينخفض بنسبة 50 في المئة ليصير هنالك استاذ لكل 14 او 15 تلميذاً، واذا انتقينا الاساتذة الاكفياء وضاعفنا تعويضاتهم نكون في وضع افضل بالنسبة الى موازنة الدولة وبالنسبة الى مستويات التعليم في المدارس الرسمية.

هذا التفكير المنطقي لا يقبل اساتذة المدارس الرسمية بمناقشته. فتصريحات قادة هؤلاء الأساتذة يفوح منها نفس الشيوعية، فهم يطالبون بتوزيع غرامات المخالفات البحرية على الاساتذة وكأن المال العام هو حكر عليهم ومخصص لهم، وهذه النظرة نابعة من تعاليم توزيع الثروة والدخل دونما نظر الى الجهد المطلوب من اصحاب الخطوة.

ان هذا المنطلق الفكري مرفوض لدى غالبية اللبنانيين والبلد حقق نمواً اقتصادياً لافتاً خلال تكريس النظام الاقتصادي الحر وبقيادة سياسية مترفعة كان من ابرز وجوهها الرئيس فؤاد شهاب. واذا نظرنا الى البلدان الشيوعية المستمرة في نهج كارل ماركس، لا نجد سوى كوبا، علماً بان التعليم في كوبا يشمل اكثر من 30 طالباً لكل استاذ ومستويات المعلمين العلمية افضل مما هي لدى اساتذة المدارس الرسمية.

المضربون العقائديون هم القلة لكنهم اصحاب الاصوات المرتفعة بمنطق او من دون منطق وهم يتهمون سائر اللبنانيين بالسطو على منافع الاقتصاد والاستفادة الريعية المكلفة، وحتى تاريخه، وفي ما عدا التنديد بالاحتكارات، لم نسمع ما يقنع بسريان الريعية في مختلف نشاطات الاقتصاد اللبناني.

وقد ظهرت بوضوح انتقادات زعماء المضربين للتجار وكأن هؤلاء بمجملهم يرتعون بخيرات البلد، والمضربون يصورون التجار بأنهم لا فائدة من عملهم ويعودون بنا الى نغمة حصر مفهوم الانتاج بالصناعة والزراعة، والسؤال هو اذا لم يتحول الصناعي الى تاجر او اذا لم يستعن الصناعي بتاجر فكيف له ان يصرف إنتاجه، سواء أكان التاجر لبنانياً ام عربياً ام اجنبياً مشترياً للبضائع اللبنانية المنشأ، والامر ذاته يسري على الانتاج الزراعي.

قطاع الخدمات، الذي يشمل بصورة رئيسية قطاع التجارة، بات في جميع دول العالم صاحب الحصة الكبرى من الدخل القومي. هذا هو واقع الحال في فرنسا الاشتراكية، وهذا هو واقع الحال في ثاني اكبر اقتصاد في العالم، أي في الصين، حيث القيادة هي مبدئياً للحزب الشيوعي، لكن الصين لم تعد شيوعية في منهجها الاقتصادي. فهي تحوز اكثر من 3 تريليونات دولار من الاحتياط، وهذا اكبر احتياط في العالم لأي دولة، وهي تحقق بين الدول الكبرى اعلى معدل للنمو. ونسبة نمو على مستوى 8,5 في المئة كما هو الحال اليوم في الصين، صارت تعتبر متدنية.

الصين الشيوعية بالاسم اعتمدت تحرير اقتصادها على أسس الاسواق الحرة منذ فترة تزيد على 30 سنة، والصين تستثمر في سندات الحكومة الاميركية اكثر من 1,3 تريليون دولار، والى ذلك تستثمر الشركات والمؤسسات الصينية 700 مليار دولار في الشركات الاميركية، والصين تصنع منتجات باتت ضرورية لشركات اميركية كبرى. فشركة آبل التي هي ثالثة كبرى الشركات بقيمتها السوقية في الولايات المتحدة تعتمد على الشرائح الذكية المنتجة من الصين، وشركة جنرال موتورز لصناعة السيارات حققت اختراقات كبرى في السنوات الاخيرة لانها احتلت الموقع الاول في تصنيع السيارات، على اسس تجارية في الصين.

الانتساب الى الشيوعية بالطبع انبعث في روسيا. وروسيا اليوم تجاوزت التعاليم الشيوعية، والحكم في روسيا يعتمد النظام الاقتصادي الحر، والمصارف الروسية تستقطب الودائع والاستثمارات بالدولار والاورو وروسيا تسوق غالبية إنتاجها من الغاز والنفط في الاسواق الاوروبية، والشيوعية لم يعد لها من صدى في روسيا سوى في تظاهرات يقوم بها مئات المنتسبين الى الحزب الشيوعي سابقاً.

البحث عن شيوعية كارل ماركس لن يؤدي الى انفراج لدى أي دولة، وبالتأكيد التحرك النقابي لأساتذة التعليم الرسمي والذي يستقي زخمه وعباراته من الشيوعية، يعود بنا الى سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية.

ان المتظاهرين المنادين بكبح الريعية ومختلف الاتهامات الأخرى لشرائح واسعة من المجتمع اللبناني مغيبة عن التطورات العالمية خلال العقود الخمسة المنصرمة، وهم يريدون ان يعيدونا قسراً الى زمن انقضى والى ديماغوجيات منفرة والى ادعاءات فارغة.

لبنان اليوم معلق في غرفة العناية الفائقة، لان بعضه متعلّق بأمل انتصار الحكم السوري ويعمل على مساندته، والبعض الآخر يأمل في انتصار قوى المعارضة، والى حين جلاء الصورة لا قرارات رئيسية في لبنان.

ان الامر الممكن تحقيقه من المطالبة الشارعية لا يتعدى تخصيص المعلمين بمفعول رجعي لزيادات غلاء المعيشة التي التزمتها أكثر المؤسسات اللبنانية منذ زمن، وطلب تقديمات تفوق هذا المستوى يتجاوز قدرات الاقتصاد اللبناني وطاقاته، وأية عطاءات يجب ان تستدرج بإصلاحات إدارية منها ما يتعلق بساعات العمل، ومنها ما يتعلق بمخصصات وتعويضات مختلفة، ومنها ما يتعلق بانتقاء الموظفين، ومنها ما يتعلق بوسائل تسريح المخالفين والمتقاعسين.
لقد حان وقت الحساب الحقيقي وحان وقت تخصيص استاذ في المدارس الرسمية لكل 20 تلميذاً، وحان وقت المصارحة وتجاوز الاعتبارات الانتخابية والتحركات الشعبوية.

Exit mobile version