لو أمكنه لأشعل الحرائق في كل مكان. أوراق بشّار الأسد المتلاشية لم تعد تحوي إلاّ رهان تفجير المنطقة بدءاً بمحيطه المباشر في لبنان، القابل بطبيعته للرقص عند حوافي البراكين!
المسودة المبدئية ضاعت مع انكشاف ميشال سماحة. لكن الأمل لا يزال موجوداً: إشعال لبنان يشتّت التركيز على إسقاط الاسد، ويدفع الغربيين مجدّداً للانتباه إليه، لكن ليس من زاوية تسليح المعارضة وإنّما من زاوية العودة إلى الحكي معه في شأن احدى أبرز وظائفه!
لعبها طوال سنوات في لبنان، أو بالأحرى ورث اللعبة واستمرأها. وفعلها بالطول والعرض في العراق وغيره. “إستضاف” تنظيم “القاعدة” ومشتقّاته وحوّل سوريا إلى ممر إلزامي لكل الجماعات التي تحتكر خارطة الطريق إلى الجنّة.. وفعلها مع الغربيين وبعض العرب. باعهم معلومات ومعطيات وشبكات متصلة بالإرهاب (الذي رعاه برموش عينيه!) ثم طرح سلعة المشاركة في الحرب العالمية ضدّه باعتباره ضحيّة له وليس مساهماً وشريكاً فاعلاً فيه!
حاول الضرب على الوتر الكردي في تركيا. لكن أنقرة حتى الآن، تمكنت من تكسير طموحه والالتفاف على محاولته بطريقة بنّاءة: فتحت سجن عبدالله أوجلان وبدأت في الحوار معه في شأن سلاحه وعناصره وأهدافه. وفتحت كتاب الأكراد في تركيا عموماً وبدأت الكتابة فيه بحبر يختلف عن حبر الارث القتالي المألوف في البلاد تاريخياً ازاء المطالب الكردية المعقولة والمقبولة.
حاول الحركشة بالوضع الأردني وأرسل مجموعات تخريبية اندسّ بعضها بين السوريين اللاجئين، لكن الأمر انكشف بسرعة.. الاردن ليس سائباً، والأمن فيه هو العمود المركزي الذي يحمل خيمة الاستقرار المديد، والذي سبق أن دُفِعت أثمان غالية جداً نظير ترسيخه وتدعيمه وحفظه.
.. بقي لبنان. الخاصرة الرخوة والساحة المهيّأة بطبيعتها، وبما استجدّ عليها، وبسلاح أهل الممانعة فيها، لتلقف “طموحاته” ومحاولة ترجمتها. بدأ التمهيد للجريمة وفق العادة بحملة إعلامية منسّقة ودؤوبة حتى كاد أهل طرابلس وعكار يظنّون أنّهم يعيشون في عالم افتراضي هو شمال افغانستان وليس في عالم واقعي هو شمال لبنان! وتلا ذلك ضخّ سياسي ممنهج شارك فيه مَن هم في أعلى وأدنى السلّم الوظيفي في الدولة والدويلة على حدّ سواء، وأشاع ما خلاصته، أنّه لولا الجماعات التكفيرية في لبنان لما اندلعت الثورة السورية، وأنّ تلك الجماعات تهدّد روسيا نفسها، والحضارة الغربية برمّتها، وانها “بلغت” لبنان على سبيل التسلية في أوقات الفراغ ليس إلاّ!
.. قبل يومين، خرج أحد سعاة البريد السوري وأذاع كلاماً زلزالياً له أول وليس له آخر. وفهم كثيرون منه، أنّ اليأس عند السلطة الأسدية وصل إلى مواصيله، وإلاّ ما كانت ذهبت إلى “الفتوى الحسّونية” وإطلاق النفير العام في دمشق، ولا إلى تلك الأهزوجة الهستيرية في طرابلس.
والآن يهدّد لبنان مباشرة، مع أنّ المعركة مستعرة عند أبواب دمشق وليس عند أبواب طرابلس والشمال. ومع شعب سوريا وليس مع فلاّحي ومزارعي وادي خالد وأهالي عرسال! لكن لأنّ حساباته هي دائماً بهذه “الدقّة”، خرج قبل الآن من لبنان، وسيخرج بعد الآن من سوريا نفسها، حُكماً!