Site icon Lebanese Forces Official Website

عينه مكسورة

“كل حلم أتى بغير اقتدار حجة لاجئ إليها اللئام
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام”
(المتنبي)

يعلم معظم الطرابلسيين القدماء بالضبط ما يعنيه تعبير “عينه مكسورة”! باختصار للتفسير، وفي النسخة المهذبة، يعني أنه عندما تكتشف مذلة في شخص ما، تصبح عينه مكسورة أمامك، وإن كنت إبن حرام فلا تتورع عن ابتزاز صاحب العين المكسورة، وإن كان ذا نفس ضعيفة فقد يستدرج إلى أسفل المواضع ليزيد فوق الذلة ذلة.

في الواقع، وبحسب خبرات اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين الذين عاصروا في السياسة والأمن نظام آل الأسد، يعلمون علم اليقين بأن توازن حكمهم المحلي قائم على ابتزاز مكسوري العين. وكسر العين هنا مروحة واسعة من الإحتمالات تبدأ بالمساعدة لارتقاء وظيفة عامة مع تجاوز القواعد التراتبية، إلى تعيين أستاذ في جامعة لا يحمل شهادة، إلى تغطية أعمال طبيب يتجاوز الأخلاق المهنية، إلى تغطية صفقات فاسدة، أو تسهيل تجارة شرعية أو غير شرعية، أو التغاضي عن سرقة ما أو تواطؤ، أو المشاركة في جريمة ما عن قصد أو بالإستدراج… لائحة لا تنتهي من نهج لا يشبه في تفاصيله إلا أقذر المافيات في العالم، ولا يمتّ إلى منطق دولة أو حكم ولا حتى إلى عمل مخابراتي لأسفل أنظمة العالم.

كل هذه البشاعة أصبحت اليوم في آخر فصولها وقد لا يكون مجدياً الإسترسال في تعداد مآثر مافيا آل الأسد لأن ذلك لن يغير في الدينامية التي تدير الوضع في سوريا اليوم. ما يهمني هو تسليط الضوء على واقع الأمر في لبنان، وعلى البهدلة التي وضع نفسه فيها الرئيس نجيب ميقاتي.

لا أحد منا يمكنه الإعتراض على طموح البشر، وذلك بغض النظر عن مؤهلاتهم،”فالقرد بعين أمو غزال”، لذلك فليس مستهجناً أن يندفع شخص مثل الرئيس نجيب ميقاتي لكسر كل الوعود وتجاوز التحالفات والعهود لمجرد أن فرصة لاحت له لينصب على سدة رئاسة الحكومة، وهنا العتب مرفوع فلعبة السياسة لا تتحمل ثقل دم الأخلاق والوفاء! وما هم أن يأتي المرء على وقع قمصان سود؟ فالغاية تبرر الوسيلة، وغاية الرئيس ميقاتي كانت حسب قوله درء الفتنة. وبصراحة وتجرد، فهذا هدف يستأهل كل موبقات الوصول إليه.

في الواقع، فقد اقتنع الكثيرون منا يوم تربع العجيب ،الغير المجيد، على سدة الرئاسة الثالثة بأن اللعبة انتهت، وأن قمصان ولاية الفقيه السود سيعطون للرئيس كل الوسائل لينجح في مهماته في الأمن والإستقرار أولاً وفي الإقتصاد والإنماء ثانياً وفي السياسة والديبلوماسية ثالثاً.

كما أننا كطرابلسيين توهمنا بأن فرصة طرابلس أتت على الأقل على سبيل رشوات انتخابية خاصة بعد خديعة الوزراء الخمسة وبخشيش بري ونصر الله بالوزير السني السابع.

كل هذه الأوهام أصبحت اليوم من الماضي بعد انهيار كل الوعود الميقاتية، فلا الفتنة ابتعدت ولا الأمن استتب لا بل أن التسييب الكامل أصبح أمراً واقعاً، أما الإقتصاد والأمن الإجتماعي فيكفي أن نراه مرسوماً على وجوه الموظفين الموعودين بمن وسلوى سلسلة الرتب والرواتب في ظل انعدام النمو وخطر الانهيار المالي إن ذهبت الحكومة إلى اجراءات شعبوية انتحارية، والبهدلة الكبرى هي المزايدة التي انبرى بها وزراء الحكومة لأسباب انتخابية ليس إلا.

صحيح أن الرئيس العجيب نجح لبعض الوقت في إقناع بعض المجتمع الدولي بأنه عنوان وحيد للإستقرار من خلال النأي بالنفس وبأن وجوده هو “الضامن لكبح جماح حزب ولاية الفقيه وأتباع منظومة الممانعة من الإنقضاض على بقايا الدولة كلها” ضمن سلّة من الإبتسامات الباهتة يجيب بها عن تساؤلات الديبلوماسيين بالموافقة على كل آرائهم، لا بل ويزيد. لكن ما العمل اليوم بوزير خارجية يعتبر نفسه معيناً من قبل وليد المعلم كباش كاتب في سفارة علي عبد الكريم علي؟

بصراحة هزلت، فالمنطق الإنساني البسيط يقول ان احفظ ماء وجهك على الأقل بمواقف مسرحية، أو، لم لا؟، بالإستقالة وتلقين المستكبرين في الحكومة درساً في الأصول والآداب، ولكن لا حياة لمن تنادي.

منذ حوالى سنة كنت أعتبر أن الرئيس نجيب ميقاتي جزء من منظومة ترمي بكل قدراتها في معركة لربح كل شيء أو خسارة كل شيء، فهو لا يمكن أن يكون اليوم في رئاسة الحكومة لولا منظومة ولاية الفقيه وتوابعها، أما اليوم، وبعد أن أصبح مؤكداً أن هذه المنظومة ذهبت إلى غير رجعة بعد انهيار عمودها الفقري في سوريا لست أعلم ما الذي ينتظره العجيب ليترك المركب المثقوب أهي أعجوبة أم السبب هو ان عينه مكسورة؟

Exit mobile version