14 آذار هي ميثاق الكيان”. هذا الميثاق طريقنا الى “الدولة الراقية”، مثلما كان “ميثاق العيش المشترك” طريقنا الى “الصيغة”. وكما أننا مختلفون حتى العظم على “صيغتنا”، نحن متفقون على صَون “ميثاق العيش المشترك”.
خلافنا على صيغة الحكم جَرّنا الى كيان مُنْتَهَكٍ في حريته وسيادته واستقلاله، فجاءت 14 آذار لِتُثَبِّتَ الكيان “حريةً وسيادةً واستقلالاً”. نحن الآن، بعد نحو مئة سنة، قد ربحنا “ميثاقين” هما “ميثاق العيش المشترك” و”ميثاق الكيان”، لكننا لم نربح ولم نتفق بعد، على “صيغة” هذا العيش، وعلى “دولة” هذا الكيان.
وفي منطق التاريخ، ليس وقتاً طويلاً أن تَتَّفِقَ جماعاتٌ على “ميثاقين” في أقلّ من مئة سنة. ومن علامات العافية السياسية أن ترتفع الأصوات التي تريد أن تضع “صيغتنا” موضع البحث مجدداً، لأنّ حركة 14 آذار أشعرت كلّ الجماعات أنها، الى درجة معقولة، أصبحت متحررة من انتداب فرنسي له بصمات على “الصيغة”، ومن احتلال سوري له وصايات على “الدولة”.
وعندما تشعر الجماعات بنسيم الحرية، تبدأ بطرح الأسئلة الجوهرية. شكراً لحركة 14 آذار على هذا النسيم، ولا لـ”شكراً سوريا” التي أرادت في 8 آذار أن تُعاند توقَ الجماعات الى الحرية والسيادة والاستقلال. بعد ثماني سنوات على انطلاق “ثورة الأرز”، نحن في زمن صناعة مستقبل. والسنوات الثماني الماضيات، ليست وقتاً طويلاً لصناعة مستقبل “صيغةٍ أخلاقيةٍ” في “دولة راقية”.
ما يدعو الى الأسف، أن أخصام 14 آذار واعون لهذا التحوّل الكبير، لهذا المخاض. ويتحركون على مستوى الحدث التاريخي، بخطط مدروسة لكسر اتجاه التاريخ، فيما أبناء 14 آذار يتحركون تحت وطأة الأحداث والوقائع اليومية الصغيرة. أقطاب 14 آذار ليسوا بغافلين عن الصورة الكبيرة. عن الخطر الداهم. عن الفرصة التي قد تضيع.
ولكن تعدّد التيارات والشخصيات بقَدْرِ ما مَنحَ 14 آذار المشروعية الوطنية، خَفَّفَ سرعة اتخاذ القرارات، وصَعَّبَ التواصل والاتفاق، خصوصاً في ظلّ الاستهدافات الأمنية التي لا تزال تترصدهم. مع فارق الأحجام والأزمان، يمكن أن نتذكّر أنّ هتلر، لأنه الواحد الأحد، اندفَع في قضم أوروبا، في حين كان الحلفاء مُتلهّين بترتيب أوضاعهم الداخلية، ومنتظرين انضمام اميركا اليهم. وعلى غرار النازية، أخصام 14 آذار تحرّكهم “ايديولوجيا”.
ومن المستحيل أن تنتصر على عقيدة شمولية بخطوات ردود الأفعال. ليس المطلوب الرَد “بمفهوم أيديولوجي” على خطةٍ تُحَرِّكُها “الشُموليات”. هذا زمن ولىَّ وبرهَنَ عن عقمِه. لقد سقطت كل الايديولوجيات أمام معادلة “الديموقراطية البسيطة”. وكما أن الجمال صنيعة البساطة، كذلك الخير يكمن في بساطة الأفكار غير المعقدة.
سلاح 14 آذار هو “الفكر السياسي” الذي يُفكك البناء الايديولوجي لأحزاب 8 آذار الساعية الى الانقضاض على “الدولة الراقية”. العائق اليوم أنّ 14 آذار مُجْمِعَةٌ على “أفكار” هذا الفكر السياسي، من دون آليات تنفيذ واضحة توحِّدُ الجهود وتُقوي وسائل المواجهة. وهذا الفكر السياسي لا يتطلب عقيدة موحدة أو ذوباناً.
كل ما يتطلبه العودة الى الصورة الكبيرة والقيمة التاريخية “لثورة الأرز”، كلما وضعوا على الطاولة “قانون انتخاب” أو رحلة الى قصر المهاجرين. وعلى عكس ما يشعر به أبناء حركة 14 آذار من ابتعاد الحلم وصعوبة المرحلة وخطر الانقضاض على ثورتهم، نحن على بُعد أمتار من تحقيق الأهداف، ولكنّ الأهداف التاريخية لا تُقاس بالأمتار بل بالزمن.
منذ ألف وأربعمئة سنة ونحن على بُعد أمتار من “صيغة أخلاقية” لعَيشنا المشترك، ولكن مَضت ألف وأربعمئة سنة ولم نقطع هذه الأمتار! في زمن الحرب كانت المسافة بين عين الرمانة والشيّاح نحو عشرة أمتار، وانتظر اللبنانيون خمس عشرة سنة ليعبروها! لذلك، في اللحظة التي يَتَحَلَّقُ أبناءُ 14 آذار حول فكر سياسي لقضيتهم، يصبح تحقيق الانتصار قاب قوسين! إذا لم تعد 14 آذار الى هذا المنهج في التعامل مع الوقائع، فسيبقى الكلام على صحة التمثيل، ستارة “لحصص التمثيل”. قد يأتي المسيحيون بكلّ نوابهم، ويجب أن يأتي المسيحيون بكلّ نوابهم، ولكن هذا المطلب ليس نهاية مطاف الأزمة، بل ربما بدايةُ أزمةٍ أعمَق وأخطر.
وإن لم تتحرك 14 آذار في إطار رؤية كبيرة ونبيلة، فقد تربح أكثرية نيابية ولكن على حساب مبادىء “ثورة الأرز”! لقد تحرّك الشعب قبل ثماني سنوات لأنه يريد “دولة راقية” “بصيغة أخلاقية” لمواطن يعيش الحياة. لدينا اليوم ميثاقان: “ميثاق الكيان” الذي فرضته 14 آذار، وميثاق قديم اسمه “العيش المشترك”. عسى الّا يُصاب ميثاقُنا الجديد بمَرض ميثاقنا القديم، أي التَعَثُّر وعدم التطبيق. واقعنا اليوم: صراع بقاء لا عيش حياة.
وصيغة ملتبسة تُجَمِّلُها الأكاذيب المتبادلة. ودولة فارغة من المناصب ومن الدور، وعلى طريق فراغات دستورية. قد لا نُوفَّقُ في الغد القريب “بدَوحة” تسمح لنا بانتخاب رئيس جمهورية وبرلمان، فماذا سنفعل؟ كم يبدو غَرقنا في وقائع قانون الانتخابات في غير مَحلّه، عندما لا ننظر بهذا المنظار إلى أهمية قضيتنا ونُبلها والأخطار المحدقة بها.
عزاؤنا الوحيد أنّ كل عقيدة شمولية تستطيع أن تطيح وتلغي الآخرين لزَمن محدد، ولكن لا تستطيع أن تتجنّب الاصطدام بالجدار المسدود، الذي كلما أسرعت إليه زاد حجم دمارها!