14 آذار نجحت في إخراج سوريا من لبنان
ولم تنجح في تحقيق العبور إلى الدولة
في الذكرى الثامنة لقيام قوى 14 آذار يطرح السؤال: ما الذي حققته وما الذي لم تستطع تحقيقه ولماذا؟
إن أهم ما حققته قوى 14 آذار هو أنها نجحت في إخراج القوات السورية من كل لبنان وأنهت وصايتها عليه بعدما دامت 30 عاماً بثورة بيضاء عُرفت بـ”ثورة الأرز”. أما ما لم تستطع تحقيقه فهو القبض على زمام السلطة لإقامة الدولة القوية القادرة على بسط سيادتها على كل أراضيها فلا يكون قانون غير قانونها ولا دولة غير دولتها ولا سلاح غير سلاحها، وقد عجزت عن إقامة هذه الدولة أو حتى العبور إليها لأن قوى 8 آذار بجناحها المسلح، استطاعت التصدي لقوى 14 آذار ومنعها من إكمال انتصارها بدءا بالحؤول دون رحيل الرئيس إميل لحود قبل انتهاء ولايته كي يبدأ عهد جديد برئيس جديد، فكانت هذه أول نكسة تصاب بها “ثورة الأرز”، ثم تبعتها نكسات أخرى عندما خُيّرت قوى 14 آذار بين مواجهة مسلحة مع قوى 8 آذار تعيد الحرب الأهلية إلى لبنان وتسقط السلم الأهلي أو تقديم تنازلات لقوى 8 آذار والتسليم بمطالبها وإن غير المحقة لتفادي الفتنة التي تعيد تدمير لبنان وذلك شعوراً من هذه القوى بأنها وحدها أم الصبي وأن قوى 8 آذار لا يهمها إن بقي هذا الصبي حيّاً أو ميتاً بل يهمها وجودها ليكون بديلاً من الوصاية السورية.
وهكذا اضطرت قوى 14 آذار منذ عام 2005 إلى اليوم الى انتهاج سياسة الصمود والتصدي وتجنب سياسة المواجهة والهجوم لتحقيق ما تبقى من أهداف “ثورة الأرز” لأن المواجهة ستكون مكلفة لها وللبنان، وما نفع أن تربح
قوى 14 آذار نفسها وتخسر لبنان.
لكن هذه السياسة لم تقم في لبنان الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل أراضيها ولا تنفيذ القرارات الدولية التي تدعو إلى ذلك، لأن سوريا التي خرجت مكرهة من لبنان لا مصلحة لها في إقامة هذه الدولة بل على العكس فإنها عملت على عرقلة قيامها بكل الوسائل من خلال حلفائها في 8 آذار ففرضتهم شركاء مع 14 آذار في حكم البلاد فكانت شركة المشاكسة والمماحكة والمناكفة عند كل استحقاق، في انتخابات رئاسة الجمهورية وفي تشكيل الحكومات بحيث باتت البلاد منقسمة انقساماً عمودياً بين 8 و14 آذار وفي صراع دائم على السلطة، وهو صراع شل ولا يزال يشل عمل الحكومات والمؤسسات، ولم تستطع إخراجها منه لا نتائج انتخابات 2005 ولا نتائج انتخابات 2009، وتكاد حدة الصراع على السلطة وخلفه صراع المحاور في المنطقة يعطل اجراء الانتخابات المقبلة في موعدها لأن كل طرف يحاول أن يعرف حصته من المقاعد النيابية من خلال الصيغة التي ستكون للقانون وقبل أن تجرى الانتخابات.
الواقع ان ما جعل قوى 14 آذار عاجزة عن تحقيق الانتصار الكامل بعد إخراج القوات السورية من لبنان وإنهاء الوصاية عليه، هو نجاح قوى 8 آذار بجناحها المسلح وبدعم سوري وإيراني لها في التصدي لقوى 14 آذار عند كل استحقاق ومنعها من الامساك وحدها بزمام السلطة، مخيّرة اياها بين استجابة مطالبها بحيث تكون شريكة كاملة معها في الحكم او يكون فراغ شامل يدخل
لبنان في فوضى تقوده الى المجهول. وكان لا بد لقوى 14 آذار من ان تقبل بالسيئ خوفا من الأسوأ.
وفي اعتقاد أوساط سياسية أن هذه الحالة بين قوى 8 و14 آذار سوف تستمر، ولن يكون قيام للدولة في لبنان ما لم تحسم الازمة السورية كي يبنى عندئذ على الشيء مقتضاه. وما دامت صورة الوضع في سوريا غامضة، فإن صورة الوضع في لبنان تبقى غامضة أيضاً، ولن تغير نتائج الانتخابات في حال إجرائها شيئاً فيه مع استمرار الازمة السورية ومع بقاء السلاح خارج الدولة، لأنه سلاح يحول دون قيام الدولة القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها، وعلى تطبيق القانون على الجميع من دون تمييز إذ أن تطبيقه على فريق من دون آخر هو الذي أسقط هيبتها و”استوطى حيطها”.