في كنيستنا الارثوذكسية المشرقية، يبدأ اليوم زمن الصوم الكبير في انتظار قيامة متأخرة هذه السنة عن التقويم الغربي خمسة أسابيع، وهذا امر لا يليق طبعا بكنيسة المسيح غير القادرة، بفعل عمل الروح القدس فيها، على الاتفاق لتحديد تواريخ موحدة للاعياد، اذ لا فارق في الجوهر بين روزنامة وأخرى، وانما حسابات فلكية يجب الا تؤثر في حياة الناس المؤمنين وعلاقتهم بعضهم ببعض.
ولئن كانت الكنيسة الكاثوليكية التي تحتفل صباح غد بتنصيب بابا جديد هو البابا فرنسيس، الثوري الجديد في قلب الكنيسة، والمحب للفقراء، والمتواضع على مثال معلمه، والمجدد في كنيسة تعاني الكثير من المشكلات، فان معاناة كنيستنا المشرقية تتجاوز العقبات الى ازمة وجود تحتاج إلى دفع إضافي وتضافر القوى والجهود والامكانات للاستمرار.
والكنيسة المشرقية تعيش عصراً مشابهاً نوعاً ما لكنيسة روما من حيث التجديد في رأس السلطة، اذ ان كنيستنا الانطاكية تستعد لوثبة جديدة مع البطريرك الجديد يوحنا العاشر، وكنيسة الاقباط الارثوذكس في مصر، وهي الاكثر عدداً بين كنائس المشرق، شهدت انتخاب بطريرك جديد ايضا بعد رحيل البابا شنودة، وكنيسة اثيوبيا عرفت قبل شهر راعيا جديدا، وكنيسة الكلدان في العراق انتخبت بطريركاً قبل أسبوع ولم تكن الكنيسة المارونية بعيدة من التغيير قبل نحو سنتين.
هذا التغيير يأتي في مرحلة مصيرية حرجة تحتاج حكما الى رؤية تغييرية في البنى، وفي الطقوس، وفي العلاقة مع المؤمنين، وفي العلاقة مع ابناء الديانات الاخرى، وفي العلاقة مع البنى السياسية القائمة، ان قبل الثورات أو بعدها.
والتعامل مع هذه الوقائع المستجدة يسابق الزمن ولا تكفيه الوسائل التقليدية. واذا كان البابا الجديد بدأ مسيرة تغيير وتجديد لنصرة الفقراء والمظلومين والمهمشين، فان كل الكنائس في العالم مدعوة الى التعاون لما فيه مصلحة الانسانية جمعاء، اذ ان رسالة المسيح لم تقتصر يوماً على المدوّنين في خانة المسيحيين بل هدفت الى كل انسان. بهذا تعود الكنيسة الى جذورها الحقيقية، الى الانسان.
اليوم في بدء الصوم الكبير، دعوة من القلب للانقطاع عن كل ما يسيء الى الانسان في كل اصقاع الدنيا. ودعوة الى الصيام عن القتل والحرب والفتنة والسرقة والخطف، وقد ينفع هذا الصيام في انقاذ لبنان من شر مستطير.
